أخرج الطبري (19/475)مصدر غير محدد١٩/٤٧٥ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في قوله تعالى: {قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ}: "العفريت: هو المارد القوي الشديد الشرير الصليب من الشياطين والجن، قال لسليمان: {أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ}، وكان سليمان يجلس للقضاء ومصالح الناس من الصباح إلى نصف النهار؛ أي آتيك به في نصف يوم، {وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ}: قوي على حمله وثقله، أمين على ما فيه من الجواهر والذهب والدر لا أختلس منه شيئاً".
وروى ابن أبي حاتم (8/2790)مصدر غير محدد٨/٢٧٩٠ عن وهب بن منبه: "اسم هذا العفريت ذكوان، عرض قدرته الخارقة بحسب طاقة الجن في السرعة وقوة الجسد".
وقال ابن كثير (6/187)مصدر غير محدد٦/١٨٧: "قدم العفريت عرضاً عظيماً بمقاييس البشر؛ وهو إحضار العرش الهائل من مأرب إلى الشام في مدة ساعات معدودة (بين الغداة إلى انتصاف النهار)، وضمن لنفسه صفتي النجاح في أداء المهمة: القوة البدنية والأمانة التامة".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{عِفْرِيتٌ}: اسم للمارد القوي الشديد الخبيث من الجن، مأخوذ من العَفَر وهو التراب (كأنه يعفر خصمه بالتراب لقوته)، أو من العَفارة وهي الشدة والخبث والذكاء الخارق.
{مَّقَامِكَ}: موضع جلوسك وقضائك بين الناس، ومجلس الحكم.
{لَقَوِيٌّ}: ذو طاقة بدنية هائلة على حمل الأثقال والأجرام الضخمة.
{أَمِينٌ}: مأمون على النفائس والذهب والجوهر، لا يسرق ولا يخون.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{قَالَ}: فعل ماض مبني على الفتح.
{عِفْرِيتٌ}: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
{مِّنَ الْجِنِّ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف نعت لـ {عِفْرِيتٌ}.
{أَنَا}: ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
{آتِيكَ}: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة، والفاعل مستتر تقديره أنا، والكاف مفعول به أول.
{بِهِ}: متعلق بـ {آتِيكَ} وهو المفعول الثاني، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ "أنا"، وجملة المبتدأ والخبر مقول القول في محل نصب.
{قَبْلَ}: ظرف زمان منصوب متعلق بـ {آتِيكَ}.
{أَن تَقُومَ}: "أن" مصدرية ونصب، {تَقُومَ} مضارع منصوب بالفتحة، والفاعل مستتر تقديره أنت، والمصدر المؤول مضاف إليه لـ "قبل".
{مِن مَّقَامِكَ}: متعلق بـ {تَقُومَ}، والكاف مضاف إليه.
{وَإِنِّي}: الواو حالية أو عاطفة، إن واسمها.
{عَلَيْهِ}: متعلق بـ {لَقَوِيٌّ}.
{لَقَوِيٌّ}: اللام المزحلقة، {قَوِيٌّ} خبر إن أول مرفوع بالضمة.
{أَمِينٌ}: خبر ثانٍ لـ إن مرفوع بالضمة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة التمهيدية بين قوة الجسد وسلطان العلم:
عرض العفريت يمثل أقصى ما تبلغه القوة المادية والعضلية للجن: مسافة أشهر تُقطع في ساعات (نصف يوم).
وهذا التقديم مقصود في النظم القرآني؛ ليكون بمثابة المقارنة والتمهيد لعرض المفاجأة الكبرى في الآية التالية التي سيتلاشى أمامها عرض العفريت؛ حين يأتي صاحب العلم الرباني فيحضر العرش في طرفة عين!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
ركنا الكفاءة والنجاح في تولي المهام:
محاكمة إدارية قيادية خالدة:
لخص العفريت شروط النجاح في أي وظيفة أو تكليف بهاتين الصفتين: {وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ}.
وهي عين الكلمات التي قالتها ابنة شعيب في حق موسى: {إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ}.
فالقوة بدون أمانة خطر واستبداد وسرقة، والأمانة بدون قوة عجز وفشل؛ واجتماعهما هو ذروة الكفاءة والجدارة.