أخرج الطبري (19/443)مصدر غير محدد١٩/٤٤٣ عن ابن عباس وقتادة والحسن ومجاهد في قوله: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ}، قالوا: "ورثه النبوة والعلم والملك، ولم يرث المال؛ لأن الأنبياء لا تورث أموالهم".
وأخرج البخاري في صحيحه (رقم 3093)مصدر غير محددحديث رقم ٣٠٩٣، ومسلم (رقم 1759)مصدر غير محددحديث رقم ١٧٥٩ من حديث عائشة وأبي هريرة رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّا مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ».
وروى ابن أبي حاتم (8/2772)مصدر غير محدد٨/٢٧٧٢ عن السدي: "{عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ}: كان سليمان يفهم ما تقوله الطيور والحيوانات والدواب وتفهم عنه، وهو تسخير خاص من الله لم يؤته أحداً قبله ولا بعده".
وقال ابن كثير (6/178)مصدر غير محدد٦/١٧٨: "أي ورثه في الملك والنبوة دون المال؛ لأن داود كان له أولاد أخر غير سليمان، فلو كانت وراثة مال لكانوا شركاء له في المال؛ فخص سليمان بالذكر لأنه ورث مقامه في الحكم والنبوة والعلم".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{وَوَرِثَ}: الوراثة انتقال الشيء من شخص إلى آخر بعد موته، وتستعمل حقيقة في المال والملك ومجازاً أو توسعاً في العلم والنبوة والمقام.
{مَنطِقَ}: المنطق هو التعبير الصوتي الدال على المعاني والمقاصد؛ مأخوذ من النطق، وسُمي صوت الطير منطقاً لمشابهته كلام العقلاء في الدلالة على مرادها وتفاهمها فيما بينها.
{مِن كُلِّ شَيْءٍ}: "من" للتبعيض؛ أي أوتينا حظاً وافراً ونصيباً عظيماً من كل ما يحتاج إليه الملوك والأنبياء في دينهم ودنياهم.
{الْفَضْلُ الْمُبِينُ}: العطاء الظاهر الجلي الذي لا يخفى كرمه وعظمته على أحد.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{وَوَرِثَ}: الواو عاطفة، {وَرِثَ} فعل ماض مبني على الفتح.
{سُلَيْمَانُ}: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
{دَاوُودَ}: مفعول به منصوب بالفتحة (ممنوع من الصرف).
{وَقَالَ}: عاطف ومعطوف.
{يَا}: حرف نداء. {أَيُّهَا}: أي منادى نكرة مقصودة مبني على الضم، و"ها" للتنبيه.
{النَّاسُ}: نعت أو بدل لـ "أي" مرفوع بالضمة.
{عُلِّمْنَا}: فعل ماض مبني لما لم يُسم فاعله مبني على السكون، و"نا" ضمير متصل في محل رفع نائب فاعل.
{مَنطِقَ}: مفعول به ثانٍ منصوب وعلامة نصبه الفتحة، وهو مضاف.
{الطَّيْرِ}: مضاف إليه مخفوض بالكسرة.
{وَأُوتِينَا}: معطوف على {عُلِّمْنَا}، و"نا" نائب فاعل.
{مِن كُلِّ}: جار ومجرور في محل نصب مفعول به ثانٍ، وهو مضاف.
{شَيْءٍ}: مضاف إليه مخفوض بالكسرة.
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب.
{هَٰذَا}: ها للتنبيه، "ذا" اسم إشارة مبني في محل نصب اسم إن.
{لَهُوَ}: اللام المزحلقة للتوكيد، "هو" ضمير فصل (أو مبتدأ).
{الْفَضْلُ}: خبر إن مرفوع بالضمة (أو خبر هو، والجملة خبر إن).
{الْمُبِينُ}: نعت لـ {الْفَضْلُ} مرفوع بالضمة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إعلان النعمة للتحدث بها وشكرها لا للمباهاة والفخر:
لما ورث سليمان الملك والنبوة خاطب رعيته معلناً فضل الله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ... إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ}.
وهذا الخطاب من باب التحدث بنعمة الله وإظهار كرامة النبوة وإلزام الناس بطاعته في الحق، وليس من باب الفخر والكبر كما يصنع ملوك الأرض؛ ولهذا ختم بقوله: {إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ} ناسباً العطاء كله إلى الله تعالى.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحرير معنى الوراثة النبوية ودفع شبهات الميراث المادي:
الشبهة: زعم بعض من لا حظ له من الفقه أن الآية تدل على توريث الأنبياء للمال؛ لقوله: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ}.
المحاكمة الفقهية والحديثية القاطعة:
الحديث النبوي المتواتر المعنى صريح لا يقبل التأويل: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا فهو صدقة".
لغة القرآن استعملت الوراثة في العلم والدين كما قال تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا}، وكما قال زكريا: {يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} والمراد وراثة النبوة والصلاح لا الدرهم والدينار؛ إذ الأنبياء أزهد الناس في الدنيا.
السياق التاريخي والعقلي: كان لداود عليه السلام عدد من الأولاد كما هو ثابت، فلو كانت الوراثة مالية لما كان لتخصيص سليمان بالذكر أي معنى؛ إذ لو شاركه إخوته لكانوا ورثة أيضاً، ولكن خُص سليمان لأنه ورث مقام النبوة والحكم والعلم دون غيره من إخوته.
دلالة التعبير بـ {عُلِّمْنَا} و{أُوتِينَا} بصيغة المبني للمجهول:
حذف الفاعل هنا للعلم به وهو الله تعالى، وللتأكيد على أن هذا العلم والتسخير لم يكن كسباً شخصياً ولا حيلة ذاتية، بل هو هبة إلهية محضة.
إطلاق {مَنطِقَ} على تفاهم الطيور: إثبات أن للطيور لغة ونظام تفاهم تدرك به مصالحها، وتسبح به خالقها كما قال تعالى: {وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ ۖ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ}.
تدبر التحديث بالنعمة: التحدث بنعم الله المقرون بالانكسار وشكر المنعم هو من كمال العبودية {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ}.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
شرعية تسخير الإمكانات في خدمة الحق:
الملك، والتقنية، والقوة، وفهم طبائع الكائنات ليست محرمة في الإسلام، بل المحمود هو امتلاكها وتوظيفها لإقامة العدل وإعلاء راية التوحيد.
رد الفضل إلى الله عند النجاح: كلما نال الإنسان رتبة علمية أو منصباً قيادياً، وجب عليه أن يرد الفضل لمولاه قائلاً: {إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ}.