أخرج الطبري (19/445)مصدر غير محدد١٩/٤٤٥ عن قتادة ومجاهد والزهري في قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ}: قال: هو وادٍ بأرض الشام أو بالطائف كثير النمل، فلما أشرف سليمان وجنوده على ذلك الوادي حذرت نملة قومها.
وروى ابن أبي حاتم (8/2774)مصدر غير محدد٨/٢٧٧٤ عن قتادة قال: "دخلت الكوفة فالتف علي الناس فقالوا: حدثنا، فقلت: سلوا عما شئتم، وكان مقاتل بن سليمان حاضراً، فقال: سلوني عما دون العرش، فقال رجل: يا أبا عثمان، النملة التي كلمت سليمان أكانت ذكراً أم أنثى؟ فأفحم قتادة، فقال مقاتل: بل كانت أنثى، فقيل له: من أين علمت ذلك؟ قال: من قوله تعالى: {قَالَتْ نَمْلَةٌ}، ولو كانت ذكراً لقال: قال نملة؛ لأن التاء علامة التأنيث".
وقال ابن كثير (6/179)مصدر غير محدد٦/١٧٩: "جمعت هذه النملة في ندائها المختصر غاية الفصاحة والإيجاز؛ نادت، ونبهت، وسمت، وأمرت، ونصحت، وحذرت، وخصت، وعمت، واعتذرت عن سليمان وجنوده بأحسن عذر، فقالت: {وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ}".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{حَتَّىٰ}: حرف غاية وجر لانتهاء المسير.
{أَتَوْا عَلَىٰ}: عُدي بـ "على" لتضمينه معنى الإشراف والنزول من علو؛ لأن الراكب يشرف على الوادي ويقطعه.
{وَادِ}: منفرج بين جبال يسيل فيه الماء، وسُمي وادي النمل لكثرة النمل فيه.
{يَحْطِمَنَّكُمْ}: الحطم هو الكسر والدق للأشياء الصلبة واليابسة؛ كحطم الزجاج والعظام والأجرام ذات الغلاف الخارجي الصلب.
{وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ}: الشور هو الإدراك الدقيق الخفي؛ أي لا يدركون وجودكم لصغر أجرامكم وضخامة جيشهم، وليس ذلك عن قصد للظلم أو الإفساد.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{حَتَّىٰ}: حرف غاية وابتداء.
{إِذَا}: ظرف لما يستقبل من الزمان متضمن معنى الشرط.
{أَتَوْا}: فعل ماض مبني على الضم المقدر على الألف المحذوفة، والواو فاعل، والجملة في محل جر بالإضافة لـ "إذا".
{قَالَتْ}: فعل ماض والتاء للتأنيث، وجملة قالت جواب إذا لا محل لها.
{نَمْلَةٌ}: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
{يَا}: حرف نداء. {أَيُّهَا}: أي منادى مبني على الضم، و"ها" للتنبيه.
{النَّمْلُ}: نعت لأي مرفوع بالضمة.
{ادْخُلُوا}: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، واستعمل ضمير العقلاء للنمل تنزيلاً لها منزلة العقلاء لما صدر عنها من النطق والخطاب.
{مَسَاكِنَكُمْ}: مفعول به منصوب، والكاف مضاف إليه.
{لَا يَحْطِمَنَّكُمْ}: "لا" ناهية، {يَحْطِمَنَّكُمْ} فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة في محل جزم بلا الناهية، والكاف مفعول به، والميم للجمع (أو "لا" نافية وجملة يحطمنكم جواب نهي أو قسم أو بدل من ادخلوا).
{سُلَيْمَانُ}: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
{وَجُنُودُهُ}: معطوف مرفوع.
{وَهُمْ}: الواو حالية، {هُمْ} مبتدأ.
{لَا يَشْعُرُونَ}: نافية ومضارع مرفوع بثبوت النون، والجملة خبر هم، والجملة الاسمية في محل نصب حال من "سليمان وجنوده".
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
والاعتذار في ختام الآية {وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} يقرر في عالم الحيوان حقيقة عدل سليمان؛ فهم يعلمون أن نبي الله لا يتعمد الظلم ولا يبطش بالضعفاء بغير شعور.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الإعجاز العلمي واللغوي في قوله: {لَا يَحْطِمَنَّكُمْ}:
الشبهة: زعم بعض الطاعنين أن التعبير بـ "يحطمنكم" غير مناسب للحيوان الرخو؛ لأن الحطم يستعمل للزجاج والفخار والحجارة الصلبة دون اللحم والدم!
المحاكمة العلمية والبيانية المعاصرة:
كشف العلم الحديث في علم الحشرات أن الهيكل الخارجي الصلب للنملة يتركب من مادة صلبة تسمى "الكايتين" بنسبة عالية تجعل جسمها مغلفاً بغلاف صلب أشبه بالزجاج أو البلاستيك المقوى، فإذا دِيست النملة فإنها تتحطم وتتكسر حرفياً كما يتحطم الزجاج وتصدر صوتاً مسموعاً؛ فكان استعمال القرآن للفظ {يَحْطِمَنَّكُمْ} قمة في الدقة والبيان والإعجاز العلمي الذي لم يكن للبشر به علم زمن التنزيل.
البعد البياني والبلاغي والإشاري والتدبري
اجتماع عشرة فنون بلاغية في خطاب النملة:
قرر أئمة البلاغة كابن القيم وابن أبي الإصبع أن كلام النملة في هذه الآية جمع عشرة فنون كلامية على غاية الإيجاز والإعجاز:
تدبر حسن الظن بالصالحين: إذا كانت نملة تعذر نبياً وجنوده وتلتمس لهم العذر في الخطأ غير المقصود، فما بال بعض البشر يسارعون إلى إساءة الظن وتجريم النوايا؟!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
روح المبادرة والمسؤولية الجماعية:
النملة لم تفكر في نجاة نفسها وحدها، بل هبت لإنقاذ أمتها وبني جنسها بحكمة وتوجيه دقيق؛ وهذا درس بليغ في الإيجابية المجتمعية وتحمل المسؤولية ونبذ الأنانية.
الرفق بالضعفاء والحشرات: هيبة موكب سليمان لم تمنعه من الإصغاء لنملة صغيرة والترفق بها وبعالمها.