أخرج الطبري (19/482)مصدر غير محدد١٩/٤٨٢ عن ابن عباس وقتادة ومجاهد: "قال سليمان لرجاله: غيروا معالم عرشها، وبدلوا فيه وزيدوا ونقصوا وبدلوا صفائح الذهب والجوهر لئلا تعرفه للوهلة الأولى؛ {نَنظُرْ أَتَهْتَدِي}: أي أننظر هل تدرك أنه عرشها مع هذا التغيير وتفطن لحقيقته، {أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ}: أي أم تكون بليدة الفهم قاصرة العقل عن معرفته؛ وكان مراده اختبار فصاحتها وفطنتها وعقلها".
وقال ابن كثير (6/189)مصدر غير محدد٦/١٨٩: "أمر بتنكير العرش وتغيير بعض أوصافه وزخارفه؛ ليمتحن ثبات عقلها وحسن بديهتها عند المفاجأة؛ لأنها وصفت بالرجاحة والعقل في تدبير شؤون قومها، فأراد معاينة ذلك بنفسه".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{نَكِّرُوا}: التنكير هو التغيير والتبديل بحيث يصير الشيء منكراً غير معروف على هيئته السابقة؛ كصبغ بعض أجزائه وتغيير أماكن الفصوص والجواهر.
{نَنظُرْ}: نظر فحص وبحث واستبيان.
{أَتَهْتَدِي}: الهمزة للاستفهام، والاهتداء هنا الاهتداء العقلي إلى معرفة عرشها وتفطنها لأمارات التبديل.
{لَا يَهْتَدُونَ}: الغافلون عن الفطنة والذكاء الذين لا يفرقون بين الحقائق والشبهات.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{قَالَ}: فعل ماض، والفاعل مستتر تقديره هو.
{نَكِّرُوا}: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل.
{لَهَا}: متعلق بـ {نَكِّرُوا}.
{عَرْشَهَا}: مفعول به منصوب، والها مضاف إليه.
{نَنظُرْ}: فعل مضارع مجزوم في جواب الأمر {نَكِّرُوا} وعلامة جزمه السكون، والفاعل مستتر تقديره نحن.
{تَكُونُ}: معطوف منصوب أو مرفوع، واسمه مستتر تقديره هي.
{مِنَ الَّذِينَ}: متعلق بمحذوف خبر تكون.
{لَا يَهْتَدُونَ}: نافية ومضارع وفاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها، والجملة الاستفهامية معلقة لفعل "ننظر" في محل نصب سدت مسد مفعوليه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إعداد بيئة الاختبار الفكري قبل وصول الملكة:
بعد أن استقر العرش في بيته بعملية خارقة للعادة، لم يتركه كما هو لتراه مباشرة، بل أمر فوراً بـ {نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا}.
وهذا النظم يربط بين كرامة المعجزة (إحضار العرش) وبين المحاكمة العقلية (اختبار الفطنة)؛ لأن الهدف الأسمى ليس الاستعراض المادي، بل إيقاظ البصيرة وتهيئتها لقبول التوحيد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حكمة اختبار العقل في المواقف القيادية والدعوية:
محاكمة نفسية وتربوية:
لماذا يحرص سليمان على اختبار عقل بلقيس؟
لأن قيادة أمة عظيمة كسبأ والتعامل معها يقتضي معرفة درجة ذكاء الملكة الحاكمة؛ فالذكي تُوجه إليه البراهين الدقيقة ويفهم الإشارات العميقة، والبليد يحتاج إلى أساليب أخرى.
ولأن المرأة التي استطاعت أن تدير ملوكاً وأشرافاً بقوتهم وبأسهم يحسن امتحان فطنتها لنرى هل يغلب عليها بهرج المظاهر، أم تنفذ إلى جوهر الحقائق؟!
استعمال مادة "الهدى" يحمل تورية وإشارة إيحائية بليغة؛ فالاهتداء في الظاهر لمعرفة العرش المادي، لكنه يرمز في الباطن إلى اهتداء قلبها إلى نور الإيمان بالله وترك عبادة الشمس.
جزم {نَنظُرْ} في جواب الأمر يفيد المسارعة والاهتمام البالغ بالنتيجة.
تدبر المنهج التربوي: الامتحان يظهر معادن العقول ويصقل البصائر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
ترويض النفوس على التأمل والتدقيق:
على المربي والداعية أن يطرح الأسئلة الذكية والمواقف المحفزة للتفكير ليدرب أتباعه على اليقظة العقلية والتمييز بين الأمور.
عدم الاغترار بالمظاهر المتغيرة: العاقل ينظر إلى الجوهر والأصل ولا تخدعه التغييرات السطحية التي تطرأ على الأشياء.