أخرج الطبري (19/528)مصدر غير محدد١٩/٥٢٨ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في قوله تعالى: {وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ}: "الغائبة: كل خافية ومستورة وغيب في العالم العلوي والسفلي، {إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ}: إلا قد كتبها الله وأثبتها وأحصاها في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق السماوات والأرض، مبين عن مقادير كل شيء وعلم كل كائن".
وروى ابن أبي حاتم (8/2814)مصدر غير محدد٨/٢٨١٤ عن قتادة: "الغائبة: كل خبيئة وسر وغيب في أرجاء الكون مستور عن أعين الخلائق؛ قد أحصاه الله وأثبته في كتاب عنده لا يضل ربي ولا ينسى".
وقال ابن كثير (6/199)مصدر غير محدد٦/١٩٩: "يخبر تعالى عن كمال علمه بكل غائبة في السماوات والأرض؛ من قطرة ماء، وحبة خردل، وورقة تسقط، وسر مكتوم؛ كل ذلك مثبت مقيد في اللوح المحفوظ عند رب العزة تبارك وتعالى، فكيف يخفى عليه أمر بعثكم ومجازاتكم؟! وكل شيء عنده بمقدار".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{غَائِبَةٍ}: التاء للمبالغة والصفة الغالبة؛ أي كل أمر غائب خفي مستور عن الحواس والعقول.
{كِتَابٍ مُّبِينٍ}: اللوح المحفوظ الذي كتب الله فيه مقادير الخلائق؛ والمبين الموضح المظهر لكل ما اشتمل عليه بياناً وإحكاماً لا لبس فيه.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{وَمَا}: الواو استئنافية، "ما" نافية تعمل عمل ليس أو مهملة.
{مِن}: حرف جر زائد لاستغراق النفي وتوكيد العموم.
{غَائِبَةٍ}: اسم مجرور لفظاً بـ "من" في محل رفع مبتدأ (أو اسم ما).
{فِي السَّمَاءِ}: متعلق بمحذوف نعت لـ {غَائِبَةٍ}.
{مُّبِينٍ}: نعت لـ {كِتَابٍ} مخفوض بالكسرة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال من علم الصدور إلى الإحاطة الكونية التامة في اللوح المحفوظ:
في الآية السابقة قرر علمه بسرائر الصدور: {مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ}.
وهنا في الآية (75) عمم ليشمل كل ذرة وغائبة في الكون كله: {وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ}.
وهذا هو الإحكام التام؛ فربط علمه الذاتي الأزلي بكتابته المقدرة في اللوح المحفوظ؛ ليقطع كل شك في قدرته على حشر الأجساد وجمع الذرات المتفرقة يوم البعث والنشور.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
كتابة المقادير في اللوح المحفوظ وعقيدة القضاء والقدر:
محاكمة عقدية لأهل السنة والجماعة:
كتابة المقادير في اللوح المحفوظ هي المرتبة الثانية من مراتب القضاء والقدر الأربع: (العلم، الكتابة، المشيئة، الخلق).
والله سبحانه كتب مقادير الخلائق قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، كما صح في صحيح مسلم (رقم 2653)مصدر غير محددحديث رقم ٢٦٥٣ عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.
وهذه الكتابة ليست عن حاجة ليتذكر بها سبحانه وتعالى؛ فإن الله {لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَىٰ}، بل إظهاراً لعظمته ولكمال إحاطته وإقامة للحجة على خلقه وتشريفاً للملائكة الكرام الكاتبين.
دخول "من" الزائدة على النكرة في سياق النفي يفيد التنصيص القاطع على الاستغراق والشمول؛ فلا تشذ ذرة ولا غائبة في الكون إلا وهي مدونة.
تاء المبالغة في {غَائِبَةٍ}: تدل على شدة الغيبة وتناهي الخفاء؛ فلو كانت في أعمق طبقات الظلام والعدم فهي حاضرة في كتاب مبين.
تدبر عظمة الكتاب المسطور: ما من حركة ولا سكنة ولا قطرة ولا نفس إلا وهو مقيد في كتاب مبين؛ فما أعظم هذا الملك وما أجل هذا التدبير!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
اليقين بالقضاء والقدر يورث الشجاعة والسكينة:
إذا علم العبد أن كل غائبة ومصيبة ونعمة مدونة في اللوح المحفوظ قبل وجوده؛ امتلأ قلبه طمأنينة ورضى بما قسم الله، ولم يجزع لفوات مطلوب، ولم يبطر بنيل مرغوب: {لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ}.
مراقبة الحساب الدقيق: كل لفظ، وكل نظرة، وكل عمل خفي مسجل بدقة في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.