أخرج الطبري (19/518)مصدر غير محدد١٩/٥١٨ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في قوله تعالى: {بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ}: "قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة: {بَلِ ادَّارَكَ} بتشديد الدال وألف بعدها وتشديدها وأصله تدارك؛ ومعناه: تلاحق علمهم واكتمل واجتمع في الآخرة حين يعاينونها رأي عين يوم القيامة فلا ينفعهم؛ لأنهم كانوا في الدنيا في شك منها بل عمين عنها. وقرأ نافع وأبو جعفر: {بَلْ أَدْرَكَ عِلْمُهُمْ} بهمزة قطع ساكنة الدال؛ أي فني علمهم وانقطع في شأن الآخرة فلم يعلموا منها شيئاً".
وروى ابن أبي حاتم (8/2810)مصدر غير محدد٨/٢٨١٠ عن قتادة: "{بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا ۖ بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ}: تدرج في وصف جهلهم؛ انتقلوا من الجهل والانقطاع، إلى الشك والتردد، إلى العمى المطبق وفقدان البصيرة بالكلية".
وقال ابن كثير (6/198)مصدر غير محدد٦/١٩٨: "يصف تعالى حال الكفار وتخبطهم تجاه أمر الآخرة؛ فعلمهم في الدنيا متلاشٍ عنها لا يقين عندهم، بل هم في شك وريب، بل هم عمي القلوب لا يبصرون حججها الساطعة، حتى إذا جاءت الآخرة تدارك علمهم وعاينوا الحق ولكن بعد فوات الأوان".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{ادَّارَكَ}: تدارك وتلاحق وتكامل حتى انتهى؛ إما على معنى فنائه وانقطاعه في الدنيا، وإما على معنى تكامله بالمشاهدة في الآخرة.
{شَكٍّ}: ريب وتردد بين التصديق والتكذيب مع ترجيح الباطل.
{عَمُونَ}: جمع عَمٍ، وهو أعمى البصيرة والقلب العاجز عن رؤية الدلائل النيرة.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{بَلِ}: حرف إضراب وانتقال مبني على السكون وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين.
{فِي الْآخِرَةِ}: متعلق بـ {ادَّارَكَ} أو بحال محذوفة.
{بَلْ}: حرف إضراب ثانٍ للانتقال من وصف إلى أشنع منه.
{هُمْ}: ضمير منفصل في محل رفع مبتدأ.
{فِي شَكٍّ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ.
{مِّنْهَا}: متعلق بـ "شك".
{بَلْ}: حرف إضراب ثالث للترقي في تقبيح حالهم.
{هُم}: مبتدأ.
{مِّنْهَا}: متعلق بـ {عَمُونَ}.
{عَمُونَ}: خبر المبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم (وحذفت الياء لالتقاء الساكنين: عَمِيُونَ -> عَمُونَ).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
البلاغة العجيبة في تكرار حرف الإضراب {بَلْ} ثلاث مرات:
هذا موضع فريد في القرآن الكريم تكرر فيه حرف الإضراب {بَلْ} ثلاث مرات في جمل متلاحقة:
{بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ}: نفي لأصل العلم وتلاشيه.
{بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا}: إضراب بالترقي لبيان أنهم يعيشون في ريبة واضطراب.
{بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ}: إضراب بالغ الغاية لبيان أنهم عمي القلوب لا ينفذ إليهم نور البصيرة أصلاً.
وهذا التدرج البلاغي يرسم انحدار النفس الإنسانية في مهاوي الضلال من الجهل، إلى الشك، إلى العمى الكامل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
العمى المعنوي وعقاب التعطيل العقلي:
محاكمة نفسية وإبستيمولوجية:
الكافر لا يعاني من عيب في عينيه الجسديتين، بل يعاني من "العمى العقلي الإرادي"؛ وهو غض البصر عن الأدلة الساطعة تكبراً وهوى؛ كما قال تعالى: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}.
فعاقبهم الله على هذا الشك المتعمد بأن أعمى بصائرهم فصاروا لا يرون شمس الحق البازغة.
صيغة "عمٍ" صفة مشبهة تدل على ثبوت العمى ورسوخه، وجمعها على "عَمُونَ" أبلغ في الدلالة على شمول هذا العشى الفكري لجموعهم.
تدبر مفارقة الزمان: في الدنيا يعمون ويشكون، وفي الآخرة تتفتح الأبصار بحدة: {فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ}، ولكن شتان بين يقين الإيمان النافع ويقين المعاينة الذي لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر من الوقوع في فخ الشك والحيرة الفكرية:
الشك في الآخرة والبعث بوابة الضياع والانحلال السلوكي؛ والمسلم يحصن يقينه بمدارسة أدلة القرآن ومحكماته.
سؤال الله الهداية ونور البصيرة: الدعاء الدائم بالثبات والنور: "اللهم اجعل في قلبي نوراً وفي بصري نوراً".