أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (19/506)جامع البيانالطبري١٩/٥٠٦ بسنده عن ابن عباس وسفيان الثوري ومجاهد في قوله تعالى: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَىٰ}: "أمر الله تعالى نبيه محمداً ﷺ أن يحمده على نعمائه وإظهاره دينه وإهلاكه للمكذبين من قوم نوح وهود وصالح وقوم لوط، وأن يسلم على عباده الذين اختارهم واصطفاهم لرسالاته؛ وهم الأنبياء والمرسلون وأصحاب محمد ﷺ".
وروى ابن أبي حاتم في تفسيره (8/2803)مصدر غير محدد٨/٢٨٠٣ عن السدي: "{عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَىٰ}: هم الأنبياء المذكورون في السور، وقيل: هم أصحاب محمد ﷺ؛ لأن الله اصطفاهم لصحبة نبيه ونصرة دينه".
وقال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (6/195)تفسير القرآن العظيمابن كثير٦/١٩٥: "أمر تعالى رسوله بأن يحمده على آلائه وصفاته وعلى ما نصر به رسله وأهلك أعداءه، وأن يسلم على عباده المصطفين، ثم قابل بين توحيد الله وبين آلهة الشرك الزائفة فقال مستفهماً على سبيل التبكيت والتقرير: {آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ}؛ ومعلوم لكل ذي عقل أن الله الواحد القهار خير من كل ما يشركون".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{اصْطَفَىٰ}: افتعل من الصفوة، وهو تخليص الشيء من كل شائبة واختياره على سائر جنسه لعلو رتبته.
{آللَّهُ}: همزة الاستفهام دخلت على همزة الوصل في لفظ الجلالة؛ فتسهل بين بين أو تبدل ألفاً مدية تُمَد ست حركات مشبعة لالتقاء الساكنين.
{خَيْرٌ}: اسم تفضيل حُذفت همزته لكثرة الاستعمال، والمراد به هنا مطلق النفع والفضل في مقابلة العدم والشر؛ لأن آلهة الشرك لا خير فيها أصلاً.
{أَمَّا يُشْرِكُونَ}: "أم" منقطعة بمعنى بل والهمزة، و"ما" موصولة أو مصدرية؛ أي أم الذين يشركونهم معه من الأصنام والأنداد.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{قُلِ}: فعل أمر مبني على السكون وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، والفاعل مستتر تقديره أنت.
{الْحَمْدُ}: مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
{لِلَّهِ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة مقول القول في محل نصب.
{أَمَّا}: "أم" حرف عطف معادل للهمزة، و"ما" اسم موصول مبني في محل رفع معطوف على لفظ الجلالة (أو مصدرية).
{يُشْرِكُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها (وقرأ عاصم بتاء الخطاب {تُشْرِكُونَ}، وقرأ الباقون بياء الغيبة).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
براعة الاستهلال للقسم الكوني الحجاجي العظيم:
لما أنهى استعراض قصص الأنبياء (موسى، وداود وسليمان، وصالح، ولوط) وما تضمنته من إنجاء الأولياء وإهلاك المكذبين.
جاء هذا الاستهلال بـ {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَىٰ} كأنه ختام لموكب النبوات وإعلان لفصل الخطاب.
ثم فجر السؤال التقريري الحاسم: {آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ}، ليمهد به لسلسلة من خمس آيات كونية متتالية تبدأ بـ {أَمَّنْ} تقرع عقول المشركين وتهدم أركان الوثنية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
صيغة التفضيل {خَيْرٌ} بين ما لا يقبل المفاضلة:
إشكال: التفضيل يقتضي اشتراك الطرفين في أصل الخيرية مع زيادة أحدهما؛ وآلهة الشرك خالية من أي خير أصلاً؛ فكيف يقال: {آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ}؟
المحاكمة والتحرير البياني:
أسلوب تهكمي وتبكيت للخصم على حسب معتقده؛ لأن المشركين يزعمون أن آلهتهم تنفعهم وتشفع لهم عند الله، فخاطبهم على قدر دعواهم: أي الطرفين أنفع وأحق بالعبادة؛ الإله الخالق الرازق أم أصنامكم التي تزعمون فيها النفع؟!
كما يقال في كلام العرب: (السعادة خير من الشقاء)، وقوله تعالى: {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا}؛ فالمراد نفي الخيرية بالكلية عن الشريك وإثبات الخير المحض لله وحده.