أخرج الطبري (19/458)مصدر غير محدد١٩/٤٥٨ عن ابن عباس وقتادة ومجاهد في قوله: {أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}: قالوا: "الخبء في السماوات المطر، والخبء في الأرض النبات والمعادن والماء؛ فالله يخرج المستور والمخبوء فيهما بقدرته وإرادته".
وقرأ الكسائي وحده بتخفيف "ألا" والوقف على "يا": {أَلَا يَا اسْجُدُوا}؛ على معنى التنبيه والنداء كأنه قال: يا هؤلاء اسجدوا لله. وقرأ الباقون: {أَلَّا يَسْجُدُوا} بالتشديد والإدغام؛ والمعنى: زين لهم الشيطان لئلا يسجدوا لله أو صدهم عن أن يسجدوا لله.
وروى ابن أبي حاتم (8/2781)مصدر غير محدد٨/٢٧٨١ عن قتادة: "الخبء: كل ما غاب واستتر في السماوات والأرض من غيب وخير ورزق يخرجه الله ويبديه".
وقال ابن كثير (6/183)مصدر غير محدد٦/١٨٣: "الهدهد داعية إلى التوحيد، استدل على استحقاق الله للعبادة وحده بآثار ربوبيته وقدرته الباهرة؛ فهو الذي يعلم المخبوء والمستور في أرجاء الكون، ويعلم سرائر القلوب وظواهرها، فكيف يُشرك به مخلوق عاجز؟!".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{الْخَبْءَ}: مصدر أُريد به المفعول أي المخبوء المستور المغيب الذي لا يراه أحد؛ كالقطر في السحاب، والحب والماء في أعماق الأرض.
{تُخْفُونَ}: تسرون في ضمائركم وصدوركم.
{تُعْلِنُونَ}: تظهرونه بألسنتكم وجوارحكم.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{أَلَّا}: في قراءة الجمهور "أن" مصدرية مدغمة في "لا" النافية، أو "لا" زائدة، والمصدر المؤول في محل نصب مفعول لأجله (أي: لئلا يسجدوا) أو بدل اشتمال من "أعمالهم"، أو منصوب بنزع الخافض متعلق بـ "صدهم" (أي صدهم عن أن يسجدوا).
وعلى قراءة الكسائي {أَلَا يَا اسْجُدُوا}: "ألا" أداة استفتاح وتنبيه، "يا" حرف نداء والمنادى محذوف تقديره يا قوم، و"اسجدوا" فعل أمر مبني على حذف النون.
{يَسْجُدُوا}: فعل مضارع منصوب بأن وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعل.
{لِلَّهِ}: متعلق بـ {يَسْجُدُوا}.
{الَّذِي}: اسم موصول نعت للفظ الجلالة مخفوض.
{يُخْرِجُ}: فعل مضارع مرفوع، والفاعل مستتر تقديره هو، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{الْخَبْءَ}: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
{فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من "الخبء" أو متعلق بـ "يخرج"، ومعطوف عليه.
ما ألطف هذا الاستدلال التوحيدي الذي نطق به الهدهد؛ فالهدهد طائر يبحث بمنقاره عن الخبايا في الأرض والماء، فناسب طبعه وعادته أن يستدل بصفة إخراج الخبء: {يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}.
ثم ارتقى من إخراج الخبء الحسي (المطر والنبات والماء) إلى الإحاطة بالخبء المعنوي في الصدور: {وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ}؛ ليدلل على استحقاق الله المطلق للعبادة دون الشمس المسخرة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شمول علم الله ودحض آلهة الشرك العاجزة:
محاكمة عقلية ساطعة: الشمس التي يعبدونها تضيء الظواهر فقط، ولكنها لا تخرج نباتاً بغير ماء الله وقدرته، ولا تعلم ما في ضمائر العباد ولا ما يخفونه؛ فكيف تُعبد شمس لا تعلم سرك ولا علانيتك وتُترك عبادة الإله الحي القيوم العليم بكل خافية؟! العقل والإنصاف يقضيان بسفاهة الشرك وسقوط أصله.