أخرج الطبري (19/434)مصدر غير محدد١٩/٤٣٤ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا} قال: "يعني بالبركة الملائكة وموسى عليه السلام؛ فموسى كان حولها، والملائكة كانوا في موضع ذلك النور القدسي".
وروى عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد والحسن: "النار هنا هي النور العظيم، وبورك من في ساحة هذا النور القدسي ومن حولها من الملائكة والأنبياء؛ ونزه الله نفسه عما يظنه المشركون فقال: {وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}".
وقال ابن كثير (6/175)مصدر غير محدد٦/١٧٥: "النار التي رآها موسى كانت في الحقيقة نوراً ساطعاً يتلألأ في شجرة خضراء لا تزداد إلا خضرة ونضارة ولا تزداد النار إلا اضطراماً ونوراً، فوقف موسى متعجباً، فناداه ربه وأعلن تقديس تلك البقعة وتنزيه ذاته العلية".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{بُورِكَ}: فعل ماض مبني لما لم يسم فاعله، من البركة وهي ثبوت الخير والنماء والزيادة والتقديس الرباني.
{مَن}: اسم موصول مبني، والمراد به جنس الصالحين الحاضرين من الملائكة وموسى عليه السلام، أو تقدير كرامة المكان وأهله.
{سُبْحَانَ}: مصدر منصوب على المفعولية المطلقة لفعل محذوف، وهو التنزيه والتقديس المطلق لله تعالى عن النقائص والحلول والمشابهة.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{فَلَمَّا}: الفاء عاطفة، "لما" حينية أو رابطة للشرط.
{جَاءَهَا}: فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على موسى، والهاء مفعول به.
{نُودِيَ}: فعل ماض مبني للمجهول، والجملة جواب لما لا محل لها.
{أَن}: مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف (أو تفسيرية)، وجملة {بُورِكَ مَن فِي النَّارِ} في محل نصب مفعول به لـ نودي أو خبر أن.
{مَن}: اسم موصول في محل رفع نائب فاعل لـ {بُورِكَ}.
{فِي النَّارِ}: جار ومجرور صلة الموصول لا محل لها.
{وَمَنْ حَوْلَهَا}: الواو عاطفة، "من" اسم موصول معطوف على الأول، و"حولها" ظرف مكان صلة له.
{وَسُبْحَانَ}: الواو استئنافية للتنزيه، {سُبْحَانَ} مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره أسبح، وهو مضاف.
{اللَّهِ}: لفظ الجلالة مضاف إليه مخفوض بالكسرة.
{رَبِّ}: نعت للفظ الجلالة مخفوض، وهو مضاف.
{الْعَالَمِينَ}: مضاف إليه مخفوض وعلامة خفضه الياء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التقديس والتنزيه المقترن بنزول الوحي:
لما كانت النار في أصلها عنصراً مادياً قد يُتوهم فيه ما لا يليق بجلال الله، بادر النظم القرآني بالتعقيب المباشر بالتسبيح والتنزيه المطلق: {وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}.
فالتنزيه هنا حائط صد حاسم يدفع أدنى توهم للحلول والاتحاد أو التجسيم، مؤكداً مباينة الخالق العظيم لمخلوقاته ونيرانه وأنواره.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تنزيه الله تعالى عن الحلول في الأجرام والأماكن:
الشبهة: زعم بعض أصحاب الحلول الباطل أن قوله {أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ} يدل على حلول الذات الإلهية في النار أو الشجرة! تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
المحاكمة العقدية الصارمة:
قوله في ختام الآية: {وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} قاطع في تنزيه الله عن الحلول والمماسة والمكان؛ فالله خالق الزمان والمكان ورب العالمين كلهم، فكيف يحل في جرم مخلوق؟!
المراد بـ {مَن فِي النَّارِ}: الملائكة المكرمون الذين نزلوا في موضع ذلك النور الساطع، أو نور الله وحجابه، أو المراد البركة التي جعلها الله في تلك البقعة التي تبدو كالنار.
لغة العرب تستعمل "في" للظرفية المكانية للمخلوقات، والملائكة وموسى مخلوقون حواهم ذلك الوادي المبارك.