أخرج الطبري (19/432)مصدر غير محدد١٩/٤٣٢ عن قتادة في قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ}، قال: يخبر الله نبيه ﷺ بفضله عليه ومصدر وحيه، أي: يُؤتى إليك هذا القرآن وتلقنه وتلهمه من عند الله الحكيم في تدبير خلقه وصنعه، العليم بمصالحهم وما يصلحهم في معاشهم ومعادهم.
وروى ابن أبي حاتم (8/2764)مصدر غير محدد٨/٢٧٦٤ عن مجاهد والسدي قالا: "{لَتُلَقَّى}: يُنزل عليك الوحي وتُعلّمه حرفاً حرفاً وسورة سورة".
وقال ابن كثير (6/175)مصدر غير محدد٦/١٧٥: "تسلية لقلب النبي ﷺ وتثبيتاً له في مقام البلاغ؛ أي لا يحزنك تكذيب هؤلاء الكافرين وعمههم؛ فإن هذا القرآن الذي بين يديك ليس من تلقاء نفسك ولا باختلاقك، بل أنت ملقىً إياه من رب حكيم عليم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{تُلَقَّى}: من التلقي، وهو الأخذ والتلقن والقبول باعتناء وتثبت، وبناء "تفعّل" يدل على التكرم والقبول المباشر بواسطة الروح الأمين.
{مِن لَّدُنْ}: اسم ظرفي مبني على السكون في محل جر بـ "من"، ويدل على ابتداء الغاية من أقرب المراتب وأخصها وأشرفها.
{حَكِيمٍ}: المتصف بالحكمة البالغة التي تضع الأمور في مواضعها المتقنة شرعاً وقدراً.
{عَلِيمٍ}: المحيط علمه بكل شيء، فلا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{وَإِنَّكَ}: الواو استئنافية، {إِنَّ} حرف توكيد ونصب، والكاف ضمير متصل في محل نصب اسم إن.
{لَتُلَقَّى}: اللام المزحلقة للتوكيد، {تُلَقَّى} فعل مضارع مبني للمجهول (أو لما لم يُسمَّ فاعله) مرفوع بضمة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب الفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت.
{الْقُرْآنَ}: مفعول به ثانٍ منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة (لأن تلقى يتعدى لاثنين: تلقيت زيداً القرآن).
والجملة الفعلية في محل رفع خبر إن.
{مِن لَّدُنْ}: جار ومجرور متعلق بـ {تُلَقَّى}.
{حَكِيمٍ}: مضاف إليه مخفوض وعلامة خفضه الكسرة الظاهرة.
{عَلِيمٍ}: نعت لـ {حَكِيمٍ} مخفوض بالكسرة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
براعة الانتقال والتخلص إلى القصص القرآني العظيم:
بعد أن قرر في مطلع السورة أن القرآن كتاب مبين وهدى وبشرى، وذكر مآل المؤمنين والكافرين، عاد هنا إلى الخطاب المباشر للرسول ﷺ ليؤكد له قدسية مصدر هذا التنزيل: {وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ}.
وهذا التقرير هو براعة استهلال وتمهيد عبقري للقصص النبوي الذي سيبدأ فوراً في الآية التالية بقصة موسى، ثم داود وسليمان، ثم صالح، ثم لوط؛ فكل هذه القصص والتفاصيل إنما يتلقاها النبي من لدن حكيم عليم علام الغيوب لم يشهدها النبي ولم يقرأها في كتب السابقين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
برهان المصدر الإلهي وتنزيه النبي عن النقل والاقتباس:
محاكمة عقلية لرد دعاوى المستشرقين والمشركين: زعموا أن النبي تلقى هذه القصص من بحيرا الراهب أو ورقة بن نوفل أو كنانة بن عتيق.
الرد المحكم: تفاصيل هذه القصص وما فيها من دقائق الغيب والحوارات المكنونة في بطون التاريخ وحضارات بلقيس وثمود وعالم النمل والطير لم تكن مدونة في كتاب ولا معروفة في بادية العرب؛ فكونه ﷺ أمياً لم يخط كتاباً بيمينه ثم يأتي بهذا التفصيل المعجز دلالة قاطعة على أنه {يُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ}.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الثقة بمصدر الهداية والاعتزاز بالوحي:
على الداعية أن يتحرك في دعوته بيقين راسخ بأنه يستند إلى كلام الحكيم العليم الذي أحاط بكل شيء علماً، فلا تهزه شبهات المشككين وموضات الفلسفات المادية الزائلة.
الجمع بين الحكمة والعلم: التخلق بهذين الوصفين الجليلين؛ فلا ينفع العلم بغير حكمة في تنزيله، ولا تنفع الحكمة بغير علم يبصر به الحق.