أخرج الطبري (19/472)مصدر غير محدد١٩/٤٧٢ عن قتادة ومجاهد وابن جريج في قوله تعالى: {ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا}: "قال سليمان لرسول بلقيس ورئيس وفدها: ارجع إليهم بهديتهم، فوالله لنأتينهم بعساكر وجيوش من الجن والإنس والطير لا طاقة لهم بها ولا قدرة لهم على مواجهتها، {وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ}: ولنخرجنهم من أرض سبأ أذلاء مهانين إن لم يأتوني مسلمين منقادين للتوحيد".
وقال ابن كثير (6/187)مصدر غير محدد٦/١٨٧: "لما أظهروا له التمنع بالقوة والبأس وأرسلوا الهدية مصانعة، واجههم بالإنذار الصادق والتهديد بالزحف العسكري الحاسم الذي يجتث سلطان الشرك ويسقط عروش المستكبرين".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{ارْجِعْ}: أمر بالعودة الفورية والانصراف مصحوباً بالرد القاطع.
{فَلَنَأْتِيَنَّهُم}: اللام واقعة في جواب قسم مقدر، والفعل مؤكد بنون التوكيد الثقيلة للدلالة على حتمية الزحف وجديته.
{لَّا قِبَلَ}: القِبَل هو الطاقة والقدرة والمقاومة؛ يُقال: لا قِبَل لي بهذا أي لا طاقة لي باحتماله ولا قدرة لي على دفعه.
{أَذِلَّةً}: جمع ذليل، ضد الأعزة؛ أي مسلوبي القوة والمنعة.
{صَاغِرُونَ}: من الصَّغَار، وهو الذل النفسي والهوان والمهانة مع الانقياد القسري.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{ارْجِعْ}: فعل أمر مبني على السكون، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت (مخاطباً رئيس الوفد).
{إِلَيْهِمْ}: جار ومجرور متعلق بـ {ارْجِعْ}.
{فَلَنَأْتِيَنَّهُم}: الفاء عاطفة لترتيب الوعيد، اللام واقعة في جواب قسم محذوف، {نَأْتِيَنَّهُم} مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والفاعل مستتر تقديره نحن، والهاء مفعول به، والميم للجمع.
{بِجُنُودٍ}: متعلق بـ {نَأْتِيَنَّهُم}.
{لَّا}: نافية للجنس تعمل عمل إن.
{قِبَلَ}: اسم لا مبني على الفتح في محل نصب.
{لَهُم}: متعلق بمحذوف خبر لا.
{بِهَا}: متعلق بـ {قِبَلَ}، وجملة لا واسمها وخبرها في محل جر نعت لـ {جُنُودٍ}.
{وَلَنُخْرِجَنَّهُم}: الواو عاطفة، اللام للقسم، مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد، والفاعل مستتر تقديره نحن، والهاء مفعول به.
{مِّنْهَا}: متعلق بـ {نُخْرِجَنَّهُم}، والضمير يعود على أرض سبأ أو قريتهم.
{أَذِلَّةً}: حال منصوبة من ضمير المفعول في "لنخرجنهم".
{وَهُمْ}: الواو حالية مؤكدة، {هُمْ} مبتدأ.
{صَاغِرُونَ}: خبر المبتدأ مرفوع بالواو، والجملة الاسمية في محل نصب حال ثانية مؤكدة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الرد الصاعق على مفاخرة الملأ بالقوة والبأس:
لما قال الملأ في الآية (33): {نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ}.
جاء الجواب الميداني المزلزل من سليمان: {فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا}.
فقابل قوتهم النسبية المحدودة بقوة مطلقة لا قِبل لهم بها من عوالم لا تخطر ببالهم (الجن والطير والإنس)؛ ليعلموا أن بأسهم يتلاشى أمام بأس الله وجنده.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
هل كان سليمان يهددهم ظلماً وعدواناً؟ حاشا لله؛ سليمان نبي يدعو إلى الله، وقومه كفار يعبدون الشمس ويسجدون لغير الله، وبلقيس لجأت للمداهنة بالمال لتبقى على شركها وتمنع شعبها من الهداية.
فكان التهديد بالقوة لإسقاط كبرياء الشرك وفتح الطريق لتحرير العقول؛ فلما سمعت بلقيس هذا الوعيد الصادق أدركت خطأ حساباتها وجاءت منقادة مستسلمة مؤمنة برب العالمين؛ فحقنت القوة الدماء وفتحت أبواب الهداية.