أخرج الطبري (19/433)مصدر غير محدد١٩/٤٣٣ عن ابن عباس وقتادة والسدي في قوله تعالى: {إِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا}: كان موسى عليه السلام سار بأهله من مدين قاصداً مصر، فضل الطريق في ليلة مظلمة باردة مثلجة، وقد ضرب أهله الطلق، فقدح زناده فلم يُورِ شيئاً، فبينما هو في حيرته إذ أبصر ناراً تتأجج من جانب الطور الأيمن، فقال لأهله: امكثوا إني أبصرت ناراً.
وروى ابن أبي حاتم (8/2765)مصدر غير محدد٨/٢٧٦٥ عن ابن عباس: "{بِشِهَابٍ قَبَسٍ}: شعلة من نار مقبوسة في رأس عود أو حطب لتدفئهم من شدة البرد".
وقال ابن كثير (6/175)مصدر غير محدد٦/١٧٥: "جمع موسى عليه السلام بين حاجتين: الخبر للاهتداء إلى الطريق المفقود، والشهاب القبس للاستدفاء من البرد الشديد؛ فلما قصد النار ليقتبس منها نال النبوة والرسالة والكرامة الكبرى التي هي أعظم من كل مطلوب".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{إِذْ}: ظرف لما مضى من الزمان، متعلق بفعل محذوف تقديره "اذكر".
{آنَسْتُ}: الإيناس هو إبصار الشيء ورؤيته مع حصول الأنس وزوال الوحشة به؛ فليست مجرد رؤية عابرة، بل رؤية ارتاحت لها النفس بعد حيرة وظلمة.
{بِخَبَرٍ}: علم بالمسلك والطريق من أهل تلك النار.
{شِهَابٍ}: الشعلة الساطعة المضيئة من النار.
{قَبَسٍ}: القبس ما يُقبس ويؤخذ من أصل النار على رأس عود أو شعلة.
{تَصْطَلُونَ}: من الاصطلاء، وهو الاستدفاء بالنار والاقتراب منها لإزالة البرد، والطاء مبدلة من تاء الافتعال لأجل الصاد (اصلَى).
الإعراب والتوجيه النحوي:
{إِذْ}: اسم ظرفي مبني على السكون في محل نصب مفعول به لفعل محذوف تقديره اذكر.
{قَالَ مُوسَىٰ}: فعل ماض، وموسى فاعل مرفوع بضمة مقدرة على الألف للتعذر.
{لِأَهْلِهِ}: جار ومجرور متعلق بـ {قَالَ}، والهاء مضاف إليه.
{إِنِّي}: إن واسمها، والجملة مقول القول.
{آنَسْتُ نَارًا}: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة خبر إن.
{سَآتِيكُم}: السين للاستقبال والتأكيد، {آتِيكُم} فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنا، والكاف مفعول به أول والميم للجمع.
{مِّنْهَا}: متعلق بـ {آتِيكُم}. {بِخَبَرٍ}: جار ومجرور في محل نصب مفعول به ثانٍ لـ {آتِيكُم}.
{أَوْ آتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ}: عاطف ومعطوف. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: {بِشِهَابٍ قَبَسٍ} بإضافة شهاب إلى قبس (إضافة الموصوف إلى صفته أو بيانية)، وقرأ الباقون: {بِشِهَابٍ قَبَسٍ} بالتنوين فيهما على البدلية أو النعت.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقارنة النظمية بين مواضع قصة موسى (طه، الشعراء، النمل، القصص):
في سورة طه قال: {لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى} برسم التردد والرجاء {لَّعَلِّي}.
وهنا في سورة النمل قال بيقين وعزم: {سَآتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ}؛ لأن سورة النمل سورة علم وحكمة ويقين ويناسبها الجزم بالسين؛ فإما أن يجد خبيراً يدله أو يأتي بجذوة نار مؤكدة.
تدرج لطيف من طلب نور حسي (النار والخبر) إلى نيل النور الإلهي المعنوي الأكبر وهو الوحي والنبوة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
كمال الرعاية والشفقة الأسرية عند الأنبياء:
محاكمة تربوية: موسى عليه السلام وهو في أشد حالات البرد والخوف والظلمة لم يفرط في رعاية زوجه وأهله، بل خرج بنفسه متحملاً المخاطرة ليجلب لهم الدفء والهداية.
وهذا يدحض دعوى من يظن أن التدين والاشتغال بالدعوة يسوغ إهمال الحقوق الأسرية والواجبات المنزلية؛ فالنبوة تبدأ من حسن الرعاية في البيت.
لم يقل: "أبصرت" ولا "رأيت"، بل قال {آنَسْتُ}؛ للدلالة على السكينة النفسية التي رافقت تلك الرؤية، وكان ذلك تهيئة ربانية ولطفاً خفياً لاستقبال الخطاب الإلهي العظيم.
الترديد بين {أَوْ} للتقسيم العقلي الحاصر لحاجة التائه في الصحراء: إما هداية المسلك، وإما دفء الجسد.
تدبر ألطاف الأقدار: يخرج الإنسان يطلب قبس نار لدفء بدنه، فيسوقه القدر الإلهي لينال نور النبوة الذي يضيء ظلمات الأرض كلها!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
السعي والأخذ بالأسباب في أحلك الظروف:
على المؤمن عند نزول الحيرة والشدائد ألا يستسلم للعجز، بل يبحث عن بارقة الأمل ومنافذ النور متوكلاً على الله.
نبل المسؤولية القيادية: القائد هو الذي يتقدم الصفوف لمواجهة المخاطر ويجلب النفع لرعيته ولا يلقي بهم في المهالك.