أخرج الطبري (19/493)مصدر غير محدد١٩/٤٩٣ عن ابن عباس وقتادة والزهري والسدي في قوله تعالى: {وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ}: "المدينة هي مدينة حجر ثمود، وكان فيها تسعة رجال من أشرافهم وقادتهم، وكانوا أهل فساد وجرأة على المعاصي وعقر النوق، ورئيسهم قدار بن سالف عاقر الناقة، ومعه مصدع بن دهر، ورجال آخرون عتوا عن أمر ربهم، وكان دأبهم إشاعة الفساد والمظالم وقطع السبيل".
وروى ابن أبي حاتم (8/2796)مصدر غير محدد٨/٢٧٩٦ عن قتادة: "الرهط: الجماعة دون العشرة، كانوا تسعة رجال يجتمعون على الشر والفساد في أرض ثمود، ولا يخالط فسادهم شيء من الصلاح البتة".
وقال ابن كثير (6/192)مصدر غير محدد٦/١٩٢: "يخبر تعالى عن طغاة ثمود ورؤساء الضلالة فيها، وكانوا تسعة نفر اجتمعوا على محاربة صالح والتآمر على قتله بعد عقرهم للناقة، ووصفهم بأنهم مفسدون خالصو الفساد لا يشوب فسادهم أدنى مصلحة".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{الْمَدِينَةِ}: بلد ثمود (الحجر) المأهولة بحضارتهم ونحتهم للبيوت في الجبال.
{رَهْطٍ}: الرهط في لسان العرب هم الجماعة من الرجال دون العشرة، أو ما بين الثلاثة إلى العشرة، ولا يكون فيهم امرأة، والجمع أرهط وأرهاط.
{يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ}: ينشرون الشرك، ويقطعون الأرحام، ويظلمون الضعفاء، ويبخسون المكاييل، ويصدون عن سبيل الله.
{وَلَا يُصْلِحُونَ}: نفي تام لأي مسعى إصلاحي؛ لبيان تمحض شرهم وخلوهم من أي خير.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{وَكَانَ}: الواو استئنافية، {كَانَ} فعل ماض ناقص مبني على الفتح.
{فِي الْمَدِينَةِ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر كان مقدم.
{تِسْعَةُ}: اسم كان مؤخر مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وهو مضاف.
{رَهْطٍ}: مضاف إليه مخفوض وعلامة خفضه الكسرة (أُفرد التمييز لأن الرهط اسم جمع يدل على جماعة).
{يُفْسِدُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل.
{فِي الْأَرْضِ}: متعلق بـ {يُفْسِدُونَ}، والجملة الفعلية في محل جر نعت لـ {رَهْطٍ} (أو نصب نعت لتسعة).
{وَلَا}: الواو عاطفة، "لا" نافية.
{يُصْلِحُونَ}: فعل مضارع مرفوع والواو فاعل، والجملة معطوفة على "يفسدون".
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التشريح البنيوي لمراكز القوى الفاسدة:
لما بيّن في الآيات السابقة انقسام المجتمع إلى فريقين، وتطير الكفار بصالح.
كشف هنا عن "الخلية المركزية" التي تقود هذا الضلال وتتولى حياكة المؤامرات وتدبيرها: {تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ}.
وهذا يبين كيف يمكن لقلة مجرمة مستكبرة تمتلك النفوذ أن تجر المجتمع بأسره إلى الهاوية والدمار إذا سكتت الأكثرية عن فسادها.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
سر التعقيب بـ {وَلَا يُصْلِحُونَ} بعد {يُفْسِدُونَ}:
إشكال بلاغي: معلوم أن المفسد لا يصلح؛ فما فائدة قوله: {وَلَا يُصْلِحُونَ}؟
المحاكمة البيانية والاجتماعية:
نفي الضد بعد إثبات الوصف يفيد "التأكيد والتمحض"؛ أي فسادهم فساد خالص لا تشوبه شائبة إصلاح؛ لأن بعض المفسدين قد يفسد في جانب ويصلح في آخر، أما هؤلاء فكانوا شراً محضاً.
رد على من قد يظن أن لهم مشاريع عمرانية أو منجزات دنيوية تشفع لجرائمهم؛ فنفى الله عنهم صفة الصلاح أصلاً؛ فكل ما بنوه من نحت الجبال والقصور كان وبالاً عليهم لخلائه من الإيمان والعدل.