أخرج الطبري (19/516)مصدر غير محدد١٩/٥١٦ عن ابن عباس وقتادة ومجاهد في قوله تعالى: {أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ}: "أي من الذي ينشئ خلق بني آدم وسائر الخلائق من العدم، ثم يميته ثم يعيده حياً يوم القيامة للجزاء والحساب؟! ومن يرزقكم بالمطر من السماء وبالنبات والثمار والمعادن من الأرض؟! {أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ}: يقدر على بدء الخلق وإعادته ورزق الخلائق؟! {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}: أي أحضروا حجتكم ودليلكم العقلي على أن مع الله إلهاً يستحق أن يُعبد إن كنتم صادقين في دعواكم".
وروى ابن أبي حاتم (8/2809)مصدر غير محدد٨/٢٨٠٩ عن السدي: "بدء الخلق وإعادته لا يقدر عليه إلا الله، والرزق بيده وحده، والمشركون يقرون بذلك في ألسنتهم فكيف يعبدون معه غيره!".
وقال ابن كثير (6/197)مصدر غير محدد٦/١٩٧: "ختم الله هذه البراهين الخمسة بأعظم قضية يختلف فيها المشركون مع الرسل وهي قضية البعث والنشور مقترنة بقضية الرزق؛ وطالبهم بالحجة العقلية والبرهان الحاسم؛ وتحديهم بالبرهان إعلان لعجزهم التام وانقطاع حجتهم".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{يَبْدَأُ الْخَلْقَ}: ينشئه ويوجده أولاً على غير مثال سابق من تراب وماء وعدم.
{يُعِيدُهُ}: يرجعه ويبعثه حياً بعد موته وتفرقه في التراب.
{بُرْهَانَكُمْ}: البرهان هو الحجة القاطعة النيرة الفاصلة بين الحق والباطل، مأخوذ من البَرَهِ وهو البياض الناصع والصفاء.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{أَمَّن}: عاطف وإضراب، موصول مبتدأ وخبره محذوف.
{يَبْدَأُ}: فعل مضارع مرفوع، والفاعل مستتر تقديره هو، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{الْخَلْقَ}: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
{ثُمَّ}: حرف عطف يفيد التراخي والترتيب.
{يُعِيدُهُ}: معطوف على يبدأ، والفاعل مستتر والهاء مفعول به.
{وَمَن}: عاطف وموصول معطوف.
{يَرْزُقُكُم}: مضارع ومفعول به، والفاعل مستتر، والجملة صلة.
{مِّنَ السَّمَاءِ}: متعلق بـ {يَرْزُقُكُم}.
{وَالْأَرْضِ}: معطوف مخفوض بالكسرة.
{أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ}: إنكار، مبتدأ وخبر.
{قُلْ}: فعل أمر مبني على السكون، والفاعل مستتر تقديره أنت.
{هَاتُوا}: فعل أمر جامد مبني على حذف النون، والواو فاعل، والجملة مقول القول في محل نصب.
{بُرْهَانَكُمْ}: مفعول به منصوب، والكاف مضاف إليه، والميم للجمع.
{إِن}: حرف شرط جازم.
{كُنتُمْ}: كان واسمها التاء في محل جزم فعل الشرط.
{صَادِقِينَ}: خبر كان منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله تقديره "فهاتوا برهانكم".
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
مسك الختام لسلسلة البراهين الكونية الخمسة:
انتظمت سلسلة {أَمَّنْ} في خمس درر حجاجية متتالية:
الإيجاد والإحياء بالماء والحدائق (الآية 60).
التمهيد والتثبيت والفصل بين البحار (الآية 61).
إجابة المضطر وكشف الكروب والخلافة (الآية 62).
الهداية في الظلمات والرياح المبشرة (الآية 63).
بدء الخلق والبعث وإدرار الأرزاق (الآية 64).
وختم هذه السلسلة بطلب البرهان: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ}؛ لإعلان الإفلاس التام لآلهة الشرك، والتمهيد لمناقشة شبهة البعث في الآيات التالية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الاستدلال بالبدء على الإعادة، وبالرزق على الربوبية:
محاكمة عقلية برهانية:
من أنشأ الخلق أول مرة من لا شيء قادر بداهة على إعادته؛ لأن الإعادة في العقل أهون وأيسر من الابتداء: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ}.
ومن يرزقكم من السماء بالماء ومن الأرض بالثمار هو مالككم، فكيف تصرفون العبادة لأصنام لا تخلق ذرة ولا ترزق حبة؟!
ومطالبتهم بالبرهان {هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ} تعجيز قاطع؛ لأن الشرك دعوى مجردة من أي دليل عقلي أو نقلي.