أخرج الطبري (19/466)مصدر غير محدد١٩/٤٦٦ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في قوله تعالى: {قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ}: "عرضوا عليها القتال والاستعداد للحرب؛ فأخبروها أنهم يملكون العدد والعتاد العظيم، وأنهم أهل بأس وشجاعة وصبر في مواطن النزال، ثم فوضوا الأمر إليها فقالوا: {وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ}: أي نحن رهن إشارتك، إن أمرتنا بالحرب حاربنا، وإن رأيت غير ذلك أطعناك".
وقال البغوي في "معالم التنزيل" (6/142)معالم التنزيلالبغوي٦/١٤٢: "أظهروا لها القوة البدنية والعتاد العسكري والبأس في القتال، ثم سلموا لها تدبير الموقف السياسي؛ لعلمهم بحصافة عقلها وحسن تصرفها".
وقرر ابن كثير (6/185)مصدر غير محدد٦/١٨٥: "رد الملأ رداً جمع بين إظهار الاستعداد التام للدفاع عن المملكة وبذل الأرواح، وبين الطاعة التامة المطلقة لقيادتها؛ فلم يتعجلوا بالقتال بل ردوا زمام القرار إلى حكمتها وتدبيرها".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{أُولُو}: اسم جمع لا واحد له من لفظه، بمعنى أصحاب.
{قُوَّةٍ}: القوة في العدد والعتاد والآلات وكثرة الجيوش والتمكن المادي.
{بَأْسٍ}: البأس هو الشدة والبسالة والجرأة في الحرب ومقارعة الأعداء.
{فَانظُرِي}: تأملي وتفكري بتؤدة وروية.
{تَأْمُرِينَ}: تصدرين من أوامر وقرارات ملزمة لنا.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{قَالُوا}: فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعل.
{نَحْنُ}: ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
{أُولُو}: خبر المبتدأ مرفوع بالواو لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وهو مضاف.
{قُوَّةٍ}: مضاف إليه مخفوض بالكسرة.
{وَأُولُو}: معطوف مرفوع بالواو، وهو مضاف.
{بَأْسٍ}: مضاف إليه مخفوض.
{شَدِيدٍ}: نعت لـ {بَأْسٍ} مخفوض بالكسرة الظاهرة.
{وَالْأَمْرُ}: الواو استئنافية أو حالية، مبتدأ مرفوع بالضمة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التكامل والانسجام بين القيادة والقاعدة:
تناسق الرد مع استشارتها؛ هي قالت بأدب: {أَفْتُونِي فِي أَمْرِي}، وهم ردوا بوفاء وانضباط: نحن جاهزون للدفاع بقوتنا وبأسنا، لكن قرار الحرب والسلام بيدك أنتِ {وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ}.
وهذا نموذج للجيش المنضبط الذي يعرف حدوده وصلاحياته؛ فلا يقفز على السلطة السياسية ولا يفرض خيار الحرب بعشوائية انفعالية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
البأس الشديد: يتعلق بالروح المعنوية، والبسالة النفسية، والقدرة على الصمود وتحمل آلام المعارك.
والجمع بينهما يدل على كمال الجاهزية العسكرية؛ فالعتاد وحده بلا شجاعة جبن وفشل، والشجاعة وحدها بلا عتاد تهور وهلاك؛ فجمعوا لبلقيس القوة المادية والمعنوية معاً.