أخرج الطبري (19/491)مصدر غير محدد١٩/٤٩١ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة: "قال قوم صالح له: تشاءمنا بك وبمن معك من المؤمنين؛ وذلك أنهم أصابهم قحط وشدة وجدب بعد دعوة صالح، فقالوا: ما أصابنا هذا البلاء إلا بشؤمك وشؤم أصحابك؛ {قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ اللَّهِ}: أي مصيبتكم وقضاؤكم وما ينزل بكم مقدر عند الله بذنوبكم وكفركم، لا بشؤمي ولا بشؤم أصحابي، {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ}: أي تبتلون وتمتحنون بالرخاء والشدة، أو تستدرجون بالعذاب لعلكم ترجعون".
وروى ابن أبي حاتم (8/2795)مصدر غير محدد٨/٢٧٩٥ عن السدي: "{طَائِرُكُمْ عِندَ اللَّهِ}: أي شؤمكم عند الله، وهو ما كتبه الله عليكم من العذاب بسبب معاصيكم".
وقال ابن كثير (6/191)مصدر غير محدد٦/١٩١: "رموا صالحاً والمؤمنين بفرية التطير والتشاؤم، كما قال آل فرعون لموسى: {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ}، فرد عليهم صالح بأن الحوادث والمصائب مقدرة من عند الله جزاء كفرهم، وأنهم في دار فتنة وابتلاء".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{اطَّيَّرْنَا}: أصله تطيرنا، أدغمت التاء في الطاء وجيء بهمزة الوصل، والتطير هو التشاؤم بالشيء، مأخوذ من زجر الطير في الجاهلية حيث كانوا يتشاءمون إذا طار الطير يساراً (البارح).
{طَائِرُكُمْ}: شؤمكم وما يصيبكم من قدر ومصائب ومجازاة.
{بَلْ}: حرف إضراب لرد زعمهم الباطل وبيان الحقيقة.
{تُفْتَنُونَ}: تبتلون بالخير والشر امتحاناً، أو تعذبون وتستدرجون، أو تضلون وتفتنون عن الحق.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{قَالُوا}: فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعل.
{اطَّيَّرْنَا}: فعل ماض مبني على السكون، و"نا" ضمير متصل في محل رفع فاعل، والجملة مقول القول.
{بِكَ}: متعلق بـ {اطَّيَّرْنَا}.
{وَبِمَن}: الواو عاطفة، "من" اسم موصول معطوف في محل جر، والجار والمجرور صلة.
{مَّعَكَ}: ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والكاف مضاف إليه.
المشاكلة اللفظية في قوله: {طَائِرُكُمْ عِندَ اللَّهِ}:
استعمل لفظ "الطائر" على سبيل المشاكلة اللفظية لمقالهم {اطَّيَّرْنَا}؛ ليرد كيدهم في نحورهم؛ أي سبب ما تكرهونه هو ما كتبه الله عليكم عنده بسبب قبائحكم.
الإضراب بـ {بَلْ} للانتقال من نفي التهمة إلى تشخيص العلة الحقيقية: {أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ}؛ فالعلة فيكم أنتم وفي فتنتكم وافتتانكم بالباطل.
تدبر حيل الطغاة: دأب الأنظمة الفاسدة عبر التاريخ تعليق فشلها وأزماتها على الدعاة والمصلحين واتهامهم بأنهم سبب النكبات.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحرير النفوس من الأوهام والتشاؤم:
لا يتطير مؤمن بشيء من المخلوقات (كيوم معين أو رقم أو شخص أو صوت طائر)؛ بل يتوكل على الله ويستبشر بالخير ويلهج بالدعاء النبوي: "اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك".
الثبات عند مواجهة حملات التشويه: على المصلح ألا يثنيه اتهام المغرضين له بأنه سبب المصائب، بل يمضي موقناً بأن قدر الله هو النافذ.