أخرج الطبري (19/432)مصدر غير محدد١٩/٤٣٢ عن قتادة قال في قوله: {أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ}: أي أشد العذاب وأشنعه في الدنيا بالقتل والأسر والذل، {وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ}: خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة وخلدوا في نار جهنم.
وروى ابن أبي حاتم (8/2763)مصدر غير محدد٨/٢٧٦٣ عن السدي: "سوء العذاب هو عذاب السيف والخزي في الدنيا، والأخسرون في الآخرة لأنهم بدلوا الهدى بالضلالة والجنة بالنار".
وقال ابن كثير (6/174)مصدر غير محدد٦/١٧٤: "{هُمُ الْأَخْسَرُونَ} أي من بين سائر أهل المحشر؛ لأنهم خسروا أعظم مطلوب وهو رضوان الله وجنته، وحصلوا على أسوأ مرهوب وهو غضب الله وناره المؤبدة، فلا خاسر أعظم صفقة منهم".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{أُولَٰئِكَ}: اسم إشارة للبعيد يدل على انحطاط رتبتهم وبعدهم في مدارك الشقاء.
{سُوءُ الْعَذَابِ}: أفظعه وأشده نكاية وألمه الذي يسوء صاحبه ويخزيه.
{الْأَخْسَرُونَ}: اسم تفضيل من الخسران، وهو ذهاب رأس المال وفوات الربح وحصول الهلاك، وجاء بصيغة التفضيل للدلالة على بلوغهم قمة الخسارة التي لا تدانيها خسارة.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{أُولَٰئِكَ}: اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف للخطاب.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني في محل رفع خبر المبتدأ.
{لَهُمْ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم.
{سُوءُ}: مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة، وهو مضاف.
{الْعَذَابِ}: مضاف إليه مخفوض، والجملة الاسمية صلة الموصول لا محل لها.
{وَهُمْ}: الواو عاطفة أو حالية، {هُمْ} مبتدأ أول.
{فِي الْآخِرَةِ}: جار ومجرور متعلق بـ {الْأَخْسَرُونَ} قُدّم للاهتمام.
{هُمُ}: ضمير فصل مبني لا محل له من الإعراب (أو مبتدأ ثانٍ).
{الْأَخْسَرُونَ}: خبر مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة في الجزاء كما كانت المقابلة في العمل:
في الآية (2) و(3) بيّن ثواب المؤمنين بالهدى والبشرى والإيقان بالآخرة.
وهنا في الآية (4) و(5) بيّن جزاء منكري الآخرة: عمه وتخبط في الدنيا، ثم سوء العذاب والخسران المبين في الآخرة.
فاكتملت صورة التقابل التام بين السعادة المطلقة والشقاء المطلق.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
لماذا كانوا "الأخسرين" بصيغة التفضيل؟
محاكمة عقلية لحقيقة الخسارة: الكافر ظن بكفره وإنكاره للبعث أنه يربح دنياه ويتمتع بشهواتها دون قيد شرعي أو حساب؛ فتفاجأ يوم القيامة بزوال الدنيا كأنها حلم، وبقاء العذاب السرمدي، فخسر الدنيا الفانية وخسر الآخرة الباقية؛ فصار أخسر الناس صفقة، كما قال تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا}.