أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (19/520)جامع البيانالطبري١٩/٥٢٠ في قوله: {وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ}: "يقول تعالى ذكره: وأمرت أيضاً أن أتلو القرآن على الناس لأبلّغهم رسالات ربي وأدعوهم به إلى الله، فمن اهتدى فاتبع الحق الذي جئت به وآمن به، فإنما ينفع باهتدائه نفسه ويخلصها من عذاب الله، ومن ضل عن الحق فكذب به وعصى، فقل له يا محمد: إنما أنا من المنذرين؛ أي لست بحفيظ عليكم ولا مسيطر، وإنما أنا رسول منذر عذاب الله وبأسه".
ونقل ابن كثير في "تفسيره" (6/216)مصدر غير محدد٦/٢١٦: أي إنما عليّ البلاغ والإنذار، وقد أديت ما عليّ وبلغت ما أنزل إليّ، وحسابكم على الله الذي لا تخفى عليه خافية.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات:
{أَتْلُوَ}: التلاوة هي القراءة المتتابعة المترسلة للقرآن مع تدبر معانيه والعمل به.
{اهْتَدَىٰ}: سلك طريق الحق وقبل الوحي وأسلم وجهه لله.
{يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ}: نفع هدايته وثوابها وسعادتها عائدة على نفسه خاصة؛ فالله غني عن العالمين.
{الْمُنذِرِينَ}: المخوفين المحذرين من عذاب الله وعقابه بالوحي الصادق.
الإعراب:
{وَأَنْ أَتْلُوَ}: الواو عاطفة، أن مصدرية، أتلو مضارع منصوب بأن وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، وفاعله مستتر تقديره أنا، والمصدر المؤول معطوف على {أن أكون} أو {أن أعبد} في محل نصب.
{الْقُرْآنَ}: مفعول به منصوب بالفتحة.
{فَمَنِ}: الفاء استئنافية للتفريع، من اسم شرط جازم مبتدأ.
{اهْتَدَىٰ}: ماض في محل جزم فعل الشرط، والفاعل مستتر.
{فَإِنَّمَا}: الفاء رابطة لجواب الشرط، إنما أداة حصر.
{لِنَفْسِهِ}: جار ومجرور ومضاف إليه متعلقان بـ{يَهْتَدِي}.
{وَمَن ضَلَّ}: معطوف على جملة الشرط السابقة.
{فَقُلْ}: الفاء رابطة لجواب الشرط، قل فعل أمر وفاعله أنت، والجملة جواب الشرط.
{إِنَّمَا}: أداة حصر.
{أَنَا}: ضمير منفصل مبتدأ.
{مِنَ الْمُنذِرِينَ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، وجملة القول في محل نصب مفعول به لقل.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
اقتران العبادة بتلاوة القرآن والبلاغ:
عطف {وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ} على {أَنْ أَعْبُدَ} يوضح أركان مهمة الرسول ﷺ؛ العبادة الذاتية الخالصة لله أولاً، وتلاوة الوحي والتبليغ والدعوة ثانياً؛ فالدين عبادة وبلاغ، انقياد ودعوة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تقرير المسؤولية الفردية وغنى الله عن الخلق:
محاكمة فلسفية عقدية:
الآية تؤسس أصل كمال الغنى الإلهي وحرية الاختيار الإنساني؛ فالله لا تنفعه طاعة الطائعين ولا تضره معصية العاصين؛ فمن اهتدى فنفعه عائد إلى ذاته في طمأنينة دنياه وسعادة أخراه {فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ}، ومن ضل فضلاله ووباله محصور في دائرته لا يضر الله شيئاً.
والإنذار هنا يقطع طمع المعاندين في التخفيف أو التنازل؛ فالرسول منذر لا يملك إكراههم ولا يطلب منهم أجراً.