روى البخاري في "صحيحه" (كتاب العلم، باب قول النبي ﷺ لا يفتنكم إبليس... وفي الحج برقم 1834) ومسلم (برقم 1353)مصدر غير محددحديث رقم ١٣٥٣ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة: "إن هذا البلد حرّمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يُعْضَدُ شوكه، ولا يُنَفَّرُ صيده، ولا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إلا مَنْ عَرَّفَهَا، ولا يُخْتَلَى خَلَاهَا".
وأخرج الطبري في "جامع البيان" (19/518)جامع البيانالطبري١٩/٥١٨ في قوله: {إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَٰذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا}: "يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قل يا محمد لمشركي قومك: إنما أمرني ربي أن أعبد رب هذه البلدة يعني مكة، الذي حرمها على خلقه أن يسفكوا فيها دماً، أو يظلموا فيها أحداً، أو يصيدوا صيدها، وجعلها حرماً آمناً، وله ملك كل شيء في السماوات والأرض، وأمرت أن أكون من المستسلمين المنقادين لأمره ونهيه".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات:
{إِنَّمَا}: أداة حصر كافّة ومكفوفة.
{هَٰذِهِ الْبَلْدَةِ}: مكة المكرمة زادها الله تشريفاً وتعظيماً.
{حَرَّمَهَا}: جعلها حرماً آمناً معظماً محترماً يحرم فيه القتال والصيد وقطع الشجر.
{وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ}: له الملك والتصرف والخلق المطلق لجميع الأكوان.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إعلان المنهاج وتتويج الرسالة:
بعد أن استوفت السورة أدلة التوحيد الكونية والتاريخية وأنباء الرسل وأهوال القيامة ومصير المؤمنين والمكذبين، جاء هذا المقطع الختامي المهيب ليلقّن النبي ﷺ إعلان منهاجه الحاسم أمام قريش والعالم أجمع: هذا طريقي، وتلك رسالتي التي لا مساومة فيها ولا رجوع عنها؛ إخلاص العبودية لرب الحرم والانقياد التام للإسلام.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الاحتجاج عليهم بربوبية بلدهم وحرمته:
محاكمة إلزامية لمشركي مكة:
خص مكة بـ {رَبَّ هَٰذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا} لإلزام قريش من أقرب الطرق وأظهرها؛ فهم يعترفون أن مكة بلد حرام آمن وأن الله هو الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف، ويعظمون البيت ويتفاخرون به على العرب؛ فكيف تعبدون مع رب هذه البلدة أصناماً لا تملك نفعاً ولا ضراً؟! ثم عقّب مباشرة بقوله: {وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ} لئلا يتوهم متوهم أنه رب مكة وحدها، بل هو رب الأكوان كلها ومالك الملك أجمع.