أخرج الطبري (19/490)مصدر غير محدد١٩/٤٩٠ عن مجاهد وقتادة في قوله تعالى: {قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ}: "قال لهم صالح مشفقاً وناصحاً: لم تستعجلون بنزول العذاب والنقمة والعقوبة قبل أن تسألوا الله الرحمة والتوبة والعافية؟! وذلك أنهم كانوا يقولون لصالح مكابرة: ائتنا بما تعدنا من العذاب إن كنت من الصادقين، {لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ}: فهلا تتوبون إلى الله وتسألونه المغفرة لشرككم، {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}: لكي يرحمكم ويدفع عنكم بأسه".
وروى ابن أبي حاتم (8/2794)مصدر غير محدد٨/٢٧٩٤ عن السدي: "السيئة هنا هي العذاب والهلاك، والحسنة هي التوبة والمغفرة والرحمة؛ فأنكر عليهم تقديم طلب الهلاك على طلب النجاة".
وقال ابن كثير (6/191)مصدر غير محدد٦/١٩١: "يدعوهم نبي الله صالح إلى سلوك مسلك السلامة؛ فبدلاً من أن يتحدوا نبيهم بطلب العذاب كما هو دأب السفهاء، كان الأولى بهم أن يبادروا إلى الاستغفار والإنابة لعل رحمة الله تدركهم فينجوا من الهلاك".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{تَسْتَعْجِلُونَ}: السين والتاء للطلب والمبالغة؛ أي تطلبون تعجيل الشيء قبل أوانه وميقاته استخفافاً وتكذيباً.
{بِالسَّيِّئَةِ}: العقوبة والعذاب والنقمة التي تسوء صاحبها وتخزيه.
{الْحَسَنَةِ}: الرحمة والعافية والنعمة والتوبة التي تحسن عاقبة صاحبها.
{لَوْلَا}: حرف تحضيض وحث ورجاء وتوبيخ؛ بمعنى "هلّا".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
مقابلة الحماقة الجاهلية بالرحمة والشفقة النبوية:
قوم صالح قابلوا النذارة بالتحدي الوقح واستعجال العذاب.
فخاطبهم صالح بمنتهى التلطف والرحمة: {يَا قَوْمِ}، ووبخهم بالحجة العقلية: ما الذي يحمل العاقل على أن يطلب الهلاك لنفسه وعشيرته بدلاً من طلب الرحمة والمغفرة؟!
ففتح لهم باب الأمل بالاستغفار: {لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}؛ ليدل على أن النبوة رحمة مهداة لا تطلب الانتقام.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
انتكاس الموازين العقلية عند أهل الكفر:
محاكمة منطقية ونفسية:
ما الذي يدفع الإنسان إلى استعجال العذاب؟
المكابرة العمياء والغرور بالقوة الزائلة.
الجهل بحقيقة الموت وما بعده من أهوال.
التكذيب بالقدرة الإلهية والظن بأن النذر مجرد أوهام.
وهذه انتكاسة في الفطرة السليمة التي جُبلت على حب السلامة والفرار من المخاطر؛ فجاء التوجيه النبوي ليعيد العقل إلى مساره الفطري الطبيعي.