أخرج الطبري (19/444)مصدر غير محدد١٩/٤٤٤ عن قتادة في قوله تعالى: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ}: "أي جُمعت له عساكره من هذه الأصناف الثلاثة، وقوله: {فَهُمْ يُوزَعُونَ}: أي يُحبس أولهم على آخرهم حتى يتلاحقوا؛ وكان لكل صنف وزعة يرتبون صفوفهم وينظمون مسيرهم لئلا يتقدم أحد على مرتبته".
وروى ابن أبي حاتم (8/2773)مصدر غير محدد٨/٢٧٧٣ عن مجاهد والسدي والحسن: "{يُوزَعُونَ}: يُكف أولهم ليلحق آخرهم، والوزع: هو الكف والردع والترتيب في السير والمسير".
وقال ابن كثير (6/179)مصدر غير محدد٦/١٧٩: "جُمع لسليمان جنوده الهائلة من الإنس والجن والطير، فركب فيهم في موكب عظيم، وكان الجن يعملون له ما يشاء، والإنس جنده ووزراؤه، والطير تظله بأجنحتها من الحر والريح، وكان هذا الجيش العرمرم في غاية النظام والترتيب، يقف كل جند في موضعه المخصص لا يتعداه".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{حُشِرَ}: الحشر هو الجمع والسوق من كل جانب لمكان ومقصد محدد، وبناء الفعل للمجهول يدل على انقياد الجيوش وسهولة جمعها بأمر الله.
{جُنُودُهُ}: جمع جند، وهم العساكر والأعوان المسخرون له.
{يُوزَعُونَ}: من الوَزْع، وهو الكف والمنع والترتيب؛ يُقال: وزع الجيش إذا جعل له وزعة (أي ضباطاً ونظاراً) يحبسون أولهم حتى يلحق آخرهم، فيسيرون في نظام عسكري بديع بلا فوضى ولا اضطراب.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{وَحُشِرَ}: الواو عاطفة، {حُشِرَ} فعل ماض مبني لما لم يسم فاعله مبني على الفتح.
{لِسُلَيْمَانَ}: اللام حرف جر، سليمان اسم مجرور باللام وعلامة جره الفتحة (ممنوع من الصرف)، والجار والمجرور متعلق بـ {حُشِرَ}.
{جُنُودُهُ}: نائب فاعل مرفوع بالضمة، والهاء مضاف إليه.
{مِنَ الْجِنِّ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من "جنوده" أو بيان له.
{وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ}: معطوفان على "الجن".
{فَهُمْ}: الفاء عاطفة أو سببية، {هُمْ} ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
{يُوزَعُونَ}: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون، والواو ضمير متصل في محل رفع نائب فاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تفصيل مجالات التسخير الرباني:
بعد أن قال في الآية السابقة: {وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ}، فصّل هنا هذا العطاء العظيم بذكر أصناف الجيش المسخر له من عوالم متباينة: الجن الخفي، والإنس الظاهر، والطير المحلق في الهواء.
وقرن الجمع بالنظام والانضباط {فَهُمْ يُوزَعُونَ}؛ لبيان أن هذا الملك الإيماني قائم على منتهى الدقة والنظام وحسن التدبير، وليس حشوداً غوغائية تثير الفوضى.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حقيقة تسخير الجن وخصوصية المعجزة السليمانية:
محاكمة عقدية: هل يتكرر تسخير الجن لأحد بعد سليمان عليه السلام؟
الجواب: لا؛ لأن سليمان دعا ربه فقال: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي}، وقد أخرج البخاري (رقم 461)مصدر غير محددحديث رقم ٤٦١ ومسلم (رقم 541)مصدر غير محددحديث رقم ٥٤١ عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال حين تفلت عليه عفريت من الجن: «فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تنظروا إليه كلكم، فذكرت دعوة أخي سليمان: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي}، فرده خاسئاً». فهذا التسخير خرق خاص للعادة أيده الله به.
الكلمة ترسم مشهداً حركياً فائق التنظيم؛ حيث تقف الجيوش الجرارة بملايينها في صفوف متراصة لا يسبق فيها جند جنداً، محكومة بنظام دقيق يشهد على هيبة القيادة وعظمة الانضباط.
تدبر وحدة الخلق في طاعة الله: حين يستقيم الملك على أمر الله تتناغم قوى الكون (الإنس والجن والحيوان) وتأتلف لخدمة الحق ونشر العدل.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
قيمة النظام والانضباط في العمل المؤسسي والإسلامي:
لا يمكن لقوة أو دعوة أو دولة أن تنتصر بالفوضى والعشوائية؛ فالقوة الحقيقية تكمن في حسن الترتيب والالتزام بالمهام والانضباط التام {فَهُمْ يُوزَعُونَ}.
إتقان إدارة الطاقات المتنوعة: القائد الناجح هو الذي يوظف كل فئة بحسب قدراتها وخصائصها؛ فالطير للاستطلاع، والجن للمهام الشاقة، والإنس للشورى والتدبير.