أخرج الطبري (19/486)مصدر غير محدد١٩/٤٨٦ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في قوله تعالى: {وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ}: "كان الذي صدها ومنعها من عبادة الله وتوحيده في سالف أمرها هو عبادتها للشمس والكواكب؛ ونشأتها بين قوم كافرين ورثت عنهم الضلال والشرك".
وقيل في رواية أخرى عن الحسن: الفاعل هو الله؛ أي صدها الله ومنعها عما كانت تعبده من دون الله بما أراها من آيات سليمان، فلما عاينت الآيات انزجرت عن الشرك. والقول الأول هو قول جمهور المحققين.
وقال ابن كثير (6/189)مصدر غير محدد٦/١٨٩: "هذا استئناف من كلام الله تعالى يبين فيه سبب تأخر إسلامها مع وفور عقلها وحصافة رأيها؛ وهو أنها نشأت في بيئة كافرة تعبد الشمس، فألفت ذلك بحكم العادة والتقليد للمجتمع، فصدها ذلك الركام الموروث عن التوحيد حتى كشف الله بصيرتها بآيات سليمان".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{صَدَّهَا}: الصد هو المنع والصرف والحيلولة بين الإنسان وبين مقصوده؛ أي منعها وحال بينها وبين الإيمان.
{مَا كَانَت تَّعْبُدُ}: "ما" موصولة أو مصدرية، والمراد معبودها الباطل وهي الشمس، أو عبادتها الموروثة وتقاليد قومها.
{مِن دُونِ اللَّهِ}: غير الله وإشراكاً به.
{قَوْمٍ كَافِرِينَ}: مجتمع جاحد للحق غارق في تقاليد الوثنية والشرك.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{وَصَدَّهَا}: الواو استئنافية، {صَدَّ} فعل ماض مبني على الفتح، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به مقدم.
{مَا}: اسم موصول مبني في محل رفع فاعل مؤخر لـ {صَدَّ} (أو مصدرية والمصدر المؤول فاعل).
{تَّعْبُدُ}: فعل مضارع مرفوع، والفاعل مستتر تقديره هي، والجملة خبر كانت، وجملة كانت صلة الموصول لا محل لها، والعائد محذوف تقديره "تعبده".
{مِن دُونِ}: متعلق بمحذوف حال من العائد المحذوف، ودون مضاف.
{اللَّهِ}: لفظ الجلالة مضاف إليه مخفوض بالكسرة.
{إِنَّهَا}: إن واسمها، والجملة تعليلية لما قبلها.
{كَانَتْ}: كان واسمها مستتر.
{مِن قَوْمٍ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر كانت.
{كَافِرِينَ}: نعت لـ {قَوْمٍ} مخفوض بالياء لأنه جمع مذكر سالم، وجملة كان في محل رفع خبر إن.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الكشف عن العائق الاجتماعي والنفسي للهداية:
بعد أن ظهر ذكاؤها الفائق في جوابها: {قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ}، كان من المتوقع أن يُسأل: إذا كانت بهذه الدرجة العالية من الفطنة والذكاء، فلماذا عبدت الشمس وبقيت على الشرك سنين طويلة؟!
فالذكاء المجرد قد يعطله ضغط البيئة الفاسدة وسطوة الموروث الجاهلي وإلف الآباء.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
سطوة البيئة وثقافة القطيع على العقول الكبرى:
محاكمة اجتماعية ونفسية عميقة:
كم من مفكر وفيلسوف وعبقري في التاريخ يعيش ويموت على أبطل المعتقدات وأسخف الأديان؛ ليس لنقص في عقله، بل لأن "ثقافة البيئة والقطيع" {إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ} تحاصره منذ طفولته فتشل قدرته على التفكير المستقل في المسلمات الموروثة.
ولا ينفك العقل من هذا القيد إلا بصدمة فكرية وحجة نيرة تزلزل تلك المسلمات، وهو ما صنعه سليمان عليه السلام بحكمته وآياته حتى انتشلها من إسار بيئتها إلى رحاب التوحيد.