أخرج الطبري (19/512)مصدر غير محدد١٩/٥١٢ عن ابن عباس والسدي وقتادة في قوله تعالى: {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ}: "المضطر: هو المكروب الذي ألجأته الشدائد والنوائب إلى الانقطاع عن الأسباب والركون إلى مسبب الأسباب وحده، فلا يجد كاشفاً لكربه إلا الله، فيدعوه مخلصاً فيكشف سوءه وبلاءه؛ {وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ}: يخلف بعضكم بعضاً قرناً بعد قرن وجيلاً بعد جيل، {أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ}: يجيب دعاءكم ويكشف كربكم؟! {قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ}: ما أقل تذكركم واعترافكم بنعم الله وفضله".
وروى ابن أبي حاتم (8/2807)مصدر غير محدد٨/٢٨٠٧ عن وهب بن منبه: "قرأت في بعض الكتب: يقول الله تعالى: وعزتي وجلالي إنه لا يعتصم بي عبد من عبادي دون خلقي أعلم ذلك من نيته فتكيده السماوات والأرض بمن فيهن إلا جعلت له من بين ذلك مخرجاً".
وقال ابن كثير (6/196)مصدر غير محدد٦/١٩٦: "ينبه تعالى على أنه هو المرجو عند الشدائد، المدعو عند الكروب، الذي إذا انقطعت حيل المخلوقين وتخلت عنهم الأسباب لم يجدوا ملجأً إلا إليه سبحانه؛ حتى المشركون إذا ركبوا في الفلك واضطربت بهم الأمواج أخلصوا الدعاء لله لعلمهم الفطري أنه لا يجيب المضطر إلا الله".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{الْمُضْطَرَّ}: اسم مفعول من الاضطرار، وهو من أوقعته الضرورة والشدة والمرض والفقر أو الهلاك في حرج وضيق لا حيلة له في دفعه إلا بالله.
{السُّوءَ}: كل ما يسوء الإنسان من مرض، أو فقر، أو كرب، أو عدوان.
{خُلَفَاءَ الْأَرْضِ}: جمع خليفة، وهم الذين يخلفون من قبلهم في عمارة الأرض وسكناها وتوارث ملكها.
{تَذَكَّرُونَ}: التذكر هو استحضار المعارف الفطرية والآيات في العقل والوجدان.
{قَلِيلًا}: مفعول مطلق نائب عن المصدر محذوف (أي تذكراً قليلاً) أو حال.
{مَّا}: صلة زائدة للتوكيد والتقليل.
{تَذَكَّرُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون (أصله تتذكرون)، والواو فاعل.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال من الآفاق الكونية إلى محراب النفس والوجدان:
في الآيتين السابقتين استدل بالخلق والكون: (السماوات، الأرض، الأنهار، الجبال، البحار).
وهنا في الآية (62) انتقل النظم إلى أعمق المشاعر الإنسانية الحية: لحظة الانكسار، وحاجة المضطر، واستجابة الدعاء.
وهذا برهان وجداني لا ينكره أحد؛ فكل إنسان يمر بلحظات اضطرار يشهد فيها قلبه وفطرته بأنه لا منجي ولا كاشف إلا الله؛ فكان هذا الانتقال قمة في التأثير والإلزام الحجاجي.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
إجابة دعوة المضطر ولو كان كافراً:
محاكمة عقدية وسلوكية:
هل يجيب الله دعوة المضطر إذا كان كافراً أو فاجراً؟
نعم؛ لأن الله أطلق في الآية: {يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ}؛ فإذا صدق اضطرار العبد وانقطع رجاؤه عن كل مخلوق وتوجه إلى الله وحده، أجابه الله بمقتضى رحمته وربوبيته المحيطة العامة لكل الخلق، كما قال في المشركين: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ}؛ وهذا برهان قاطع على أن التوحيد هو الأصل المستقر في الفطرة.
قد يضطر الإنسان ولكنه يركن إلى الأسباب الأرضية ويطلب الفرج من المخلوقين فلا يستجاب له؛ فالشرط هو: {إِذَا دَعَاهُ}؛ أي دعا الله وحده بصدق وافتقار.
التعبير بـ {يَكْشِفُ السُّوءَ}: الكشف إزالة الشيء كإزالة الغطاء عن الوجه؛ مما يفيد زوال الكرب تماماً وتفريج الضيق بالكلية.
تدبر نعمة الخلافة: جعل الله بني آدم خلفاء يتوارثون الأرض دليلاً على التدبير المتعاقب والرحمة المستمرة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الدعاء هو العبادة ومفتاح الفرج:
على المؤمن في كل كرب ومحنة أن يفزع إلى الله بالدعاء مستشعراً اضطراره وفقره التام؛ فباب الله لا يغلق في وجه سائل.
التواضع عند زوال الكرب: كثير من الناس يلتجئ إلى الله في الشدة، فإذا كشف الله عنه السوء عاد إلى غفلته وكبره؛ والمؤمن الحق هو الذي يدوم على الشكر والذكر في الرخاء والشدة.