أخرج الطبري (19/504)مصدر غير محدد١٩/٥٠٤ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: "لما أذن الله بهلاك قوم لوط، أمر الملائكة أن يخرجوا لوطاً وأهله وابنتيه بقطع من الليل ولا يلتفت منهم أحد، فأنجاهم الله برحمته؛ {إِلَّا امْرَأَتَهُ}: واسمها واهلة، {قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ}: أي قضينا وكتبنا عليها في حكمنا القديم الأزلي أن تكون من الباقين في العذاب والهلاك مع قومها؛ لأنها كانت عيناً للكفار تدلهم على أضياف لوط وكانت راضية بفواحشهم".
وروى ابن أبي حاتم (8/2801)مصدر غير محدد٨/٢٨٠١ عن ابن عباس قال: "{مِنَ الْغَابِرِينَ}: أي من الباقين في الهلاك والعذاب".
وقال ابن كثير (6/194)مصدر غير محدد٦/١٩٤: "استثنى الله امرأته من النجاة؛ لأنها كانت كافرة خائنة لدين زوجها، ممالئة لقومها على باطلهم، فلم تنفعها صحبة النبي ولا قرابة النكاح؛ فنزل بها ما نزل بقومها من العذاب".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{فَأَنجَيْنَاهُ}: الإنقاذ والسلامة بأمر الله وتوجيه الملائكة.
{إِلَّا}: أداة استثناء متصل من الأهل.
{قَدَّرْنَاهَا}: قضينا وحكمنا عليها تقديراً تقتضيه حكمتنا وعدلنا.
{الْغَابِرِينَ}: جمع غابر، والغابر هو الباقي في الهلاك والماضي المندثر، وقيل: الباقي في الديار المهلكة حتى ينزل به العذاب.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{فَأَنجَيْنَاهُ}: الفاء عاطفة تفريعية، فعل ماض وفاعل ومفعول به.
{وَأَهْلَهُ}: معطوف على ضمير المفعول منصوب بالفتحة، والهاء مضاف إليه.
{قَدَّرْنَاهَا}: فعل ماض وفاعل، والهاء مفعول به أول.
{مِنَ الْغَابِرِينَ}: جار ومجرور في محل نصب مفعول به ثانٍ لـ {قَدَّرْنَاهَا} (أو متعلق بمحذوف حال).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الفرز الإلهي العادل وسقوط الأنساب المجردة:
لما توعد المجرمون بإخراج آل لوط: {أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ}.
جاء التدخل الإلهي ليخرجهم حقاً ولكن على سبيل النجاة والكرامة، ويترك المجرمين في قعر الهلاك: {فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ}.
ثم استثنى امرأته: {إِلَّا امْرَأَتَهُ}؛ ليقرر أن العصمة ليست بالنسب ولا بالقرابة الزوجية، بل بالإيمان الخالص والعمل الصالح.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحرير معنى خيانة امرأة لوط:
إجماع مفسري أهل السنة: لم تكن خيانة امرأة لوط خيانة فراش أو زنا؛ فإن نساء الأنبياء معصومات من الزنا والفواحش صيانة لمقام النبوة؛ وإنما كانت خيانتها خيانة "عقيدة ودين وموالاة"؛ كانت كافرة تتستر على قومها وتدلهم على ضيوف زوجها وتفشي أسراره؛ فكان جزاؤها أن لحقها العذاب معهم؛ كما قال تعالى في سورة التحريم: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ ۖ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا}.