أخرج الطبري (19/517)مصدر غير محدد١٩/٥١٧ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في قوله تعالى: {قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ}: "أمر الله نبيه أن يعلن للخلائق كلهم أنه لا يعلم أحد في السماوات من الملائكة المقربين، ولا في الأرض من الأنبياء والمرسلين والجن والإنس علم ما غاب واستتر إلا الله تبارك وتعالى وحده، {وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ}: أي وما يدري هؤلاء المشركون ولا آلهتهم متى يبعثهم الله من قبورهم وميقات قيام الساعة".
وأخرج البخاري في صحيحه (رقم 4855)مصدر غير محددحديث رقم ٤٨٥٥ من حديث مسروق عن عائشة رضي الله عنها قالت: «مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّداً ﷺ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ، وَاللَّهُ يَقُولُ: {قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ}».
وقال ابن كثير (6/197)مصدر غير محدد٦/١٩٧: "هذا تقرير لأصل عقدي عظيم: وهو اختصاص الله جل جلاله بعلم الغيب كله ظاهره وباطنه، جليله ودقيقه، وأن كل من في السماوات والأرض عباد مربوبون محجوبون عن الغيب إلا ما أطلع الله عليه رسله بوحيه".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{الْغَيْبَ}: كل ما غاب عن مدارك الحواس وعقول الخلق وعلمه مستأثر به عند الله؛ كقيام الساعة، وحقائق الغد، ومصائر الخلائق.
{أَيَّانَ}: اسم استفهام للزمان المستمر في المستقبل، متضمن معنى التهويل؛ أي في أي وقت وحين يكون البعث.
{يُبْعَثُونَ}: ينشرون ويخرجون أحياء من قبورهم للحساب.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{قُل}: فعل أمر، والفاعل مستتر تقديره أنت.
{لَّا}: نافية لا عمل لها.
{يَعْلَمُ}: فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة.
{مَن}: اسم موصول مبني في محل رفع فاعل لـ {يَعْلَمُ}.
{فِي السَّمَاوَاتِ}: متعلق بمحذوف صلة الموصول لا محل لها.
{وَالْأَرْضِ}: معطوف مخفوض.
{الْغَيْبَ}: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
{إِلَّا}: أداة استثناء مفرغ وحصر.
{اللَّهُ}: لفظ الجلالة بدل من "من" مرفوع بالضمة الظاهرة (أو منصوب على الاستثناء). وجملة النفي مقول القول في محل نصب.
{وَمَا}: الواو استئنافية، "ما" نافية.
{يَشْعُرُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل.
{أَيَّانَ}: اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب ظرف زمان متعلق بـ {يُبْعَثُونَ}.
{يُبْعَثُونَ}: مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون، والواو نائب فاعل، والجملة الاستفهامية معلقة لفعل "يشعرون" في محل نصب سدت مسد مفعوليه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تتويج صفات الإله الخالق بصفة العلم المطلق بالغيب:
بعد أن أثبت تفرده بالخلق والإنبات والتمهيد والإجابة والرزق في الآيات الخمس السابقة.
أثبت هنا تفرده بـ "علم الغيب": {قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ}.
وبذلك اكتملت أركان الألوهية والربوبية: كمال القدرة في الخلق، وكمال العلم في الغيب؛ مما يقطع دابر أي توهم لألوهية غير الله.
وربط ذلك بجهلهم بموعد البعث: {وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} تمهيداً لمحاججتهم في إنكار المعاد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
نسف الكهانة والتنجيم وادعاء علم الغيب:
محاكمة عقدية صارمة:
هذه الآية قاطعة في إبطال كل دعاوى العرافين والمنجمين والكهنة ومدعي الروحانيات وقراءة الطالع والفنجان؛ فكل من ادعى علم الغيب فهو كاذب كافر بنص هذه الآية المحكمة.
والملائكة والأنبياء لا يعلمون الغيب استقلالاً، بل يعلمون ما أوحي إليهم فقط؛ كما قال تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ}.