أخرج الطبري (19/487)مصدر غير محدد١٩/٤٨٧ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وسعيد بن جبير ومحمد بن إسحاق: "أمر سليمان الشياطين فبنوا له صرحاً، والصرح: القصر العظيم المشيد، وبسط أرضه من زجاج أبيض صافٍ كأنه الماء، وأجرى تحته الماء العذب، وألقى فيه من دواب البحر والسمك، ثم وُضع سرير سليمان في صدره وجلس عليه، فلما قيل لبلقيس: {ادْخُلِي الصَّرْحَ}، ورأت صفاء الزجاج والماء يجري تحته، ظنته ماء غزيراً متلاطماً تخوضه بركوبها، فكشفت عن ساقيها لئلا يبتل ثوبها، فقال لها سليمان بلطف وأدب مبيناً حقيقة الصنعة: {إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ}: أي مُمَلَّس من زجاج صافٍ لا ماء فيه على السطح؛ فهالها هذا الإعجاز البشري والعلمي الخارق، وعلمت أن ملك سليمان ملك نبوة وحكمة وتسخير من رب السماء لا ملك طغيان دنيا، فانكسرت بين يدي الله وقالت: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}".
وقال ابن كثير (6/190)مصدر غير محدد٦/١٩٠: "هذا هو المشهد الختامي العظيم لقصة سبأ؛ تدرج معها سليمان من كتاب البسملة، إلى رد الهدية، إلى إحضار عرشها، إلى تنكيره، ثم توج ذلك بهذا الصرح الباهر؛ فاستسلمت لله وأعلنت التوحيد الخالص، معترفة بظلمها لنفسها بسالف شركها، قائلة: {وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{الصَّرْحَ}: القصر العالي المنيف والصحن المكشوف الواسع ذو البناء المتقن الرفيع.
{لُجَّةً}: اللجة هي معظم الماء والماء الكثير المتلاطم الأمواج الذي يغمر الخائض فيه.
{كَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا}: رفعت ذيل ثيابها عن ساقيها استعداداً للخوض في الماء بحسب ظنها الحسي.
{مُّمَرَّدٌ}: من التمرد والتمليس؛ أملس ناعم مصقول مستوٍ لا نتوء فيه ولا خشونة، ومنه الأمرد الذي لا شعر في وجهه.
{قَوَارِيرَ}: جمع قارورة، وهو الزجاج الشديد النقاء والصفاء الذي يرى ما وراءه كأنه الهواء.
{ظَلَمْتُ نَفْسِي}: بالشرك وسجودها للشمس ولغير الله في سالف دهرها.
{أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ}: استسلمت وانقدت مع سليمان، فجعلت نفسها قرينة له في الإسلام لله وحده، لا مستسلمة لشخص سليمان بل لله رب العالمين.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{قِيلَ}: فعل ماض مبني للمجهول.
{لَهَا}: جار ومجرور متعلق بـ {قِيلَ}.
{ادْخُلِي}: فعل أمر مبني على حذف النون، والياء فاعل.
{الصَّرْحَ}: مفعول به منصوب على التوسع في المكان (أو مفعول به صريح لـ ادخلي). والجملة في محل رفع نائب فاعل لـ قيل.
{فَلَمَّا}: الفاء عاطفة، "لما" حينية شرطية.
{رَأَتْهُ}: فعل ماض والتاء للتأنيث، والفاعل مستتر تقديره هي، والهاء مفعول به أول.
{حَسِبَتْهُ}: فعل ماض يفيد الرجحان، والفاعل مستتر، والهاء مفعول به أول.
{لُجَّةً}: مفعول به ثانٍ لـ "حسبت" منصوب بالفتحة الظاهرة، وجملة حسبته جواب لما لا محل لها.
{وَكَشَفَتْ}: عاطف وفعل ماض، والفاعل مستتر.
{عَن سَاقَيْهَا}: جار ومجرور متعلق بـ {كَشَفَتْ} وعلامة جره الياء لأنه مثنى، والها مضاف إليه.
{قَالَ}: فعل ماض، والفاعل مستتر يعود على سليمان.
{إِنَّهُ}: إن واسمها.
{صَرْحٌ}: خبر إن مرفوع بالضمة الظاهرة.
{مُّمَرَّدٌ}: نعت لـ {صَرْحٌ} مرفوع بالضمة.
{مِّن قَوَارِيرَ}: متعلق بـ {مُّمَرَّدٌ}، وقوارير ممنوع من الصرف لصيغة منتهى الجموع وجُر بالفتحة (وقرئ منصرفاً للتناسب).
{قَالَتْ}: فعل ماض وفاعله مستتر.
{رَبِّ}: منادى مضاف منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة.
{إِنِّي}: إن واسمها.
{ظَلَمْتُ}: فعل ماض وفاعل، والجملة خبر إن.
{نَفْسِي}: مفعول به منصوب بفتحة مقدرة، والياء مضاف إليه.
{وَأَسْلَمْتُ}: معطوف على {ظَلَمْتُ}، فعل وفاعل.
{مَعَ}: ظرف مكان للمصاحبة متعلق بـ {أَسْلَمْتُ}.
{سُلَيْمَانَ}: مضاف إليه مخفوض بالفتحة لمنعه من الصرف.
{لِلَّهِ}: جار ومجرور متعلق بـ {أَسْلَمْتُ}.
{رَبِّ}: نعت للفظ الجلالة مخفوض بالكسرة، وهو مضاف.
{الْعَالَمِينَ}: مضاف إليه مخفوض بالياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تتويج الملحمة الملكية النبوية بالخضوع لرب العالمين:
تدرج النظم القرآني العبقري في ترويض كبرياء الملكة وفتح بصيرتها:
بدأت السورة بإظهار استعلاء سليمان التوحيدي: {أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ}.
ثم رد هديتها وأظهر زهد الأنبياء: {فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم}.
ثم أراها المعجزة المكانية بإحضار عرشها المنكَّر: {قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ}.
ثم كشف لها عجز حواسها أمام الحقيقة في مشهد الصرح: حسبته ماءً وهو زجاج صلب مصقول؛ ليعلمها درساً فيزيائياً وفلسفياً حاسماً: أن الحواس قد تخطئ وتخدع، وأن وراء الظواهر المادية حقائق كبرى لا تدرك إلا بالعقل والوحي.
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الإعجاز العلمي والهندسي في تقنية الصرح الممرد من قوارير:
محاكمة علمية معاصرة:
هذا المشهد المعجز يمثل أقدم وثيقة تاريخية تتحدث عن "الإبداع المعماري الصرحي" وعن صناعة الزجاج فائق النقاء والشفافية والتمليس البصري؛ بحيث تسير المياه الصافية تحته والأسماك تسبح، والسطح زجاجي أملس عاكس للضوء يخدع البصر المجرد حتى يظنه ماءً رقراقاً.
وهذه التقنية تدل على تسخير الجن والعلوم اللدنية لسليمان في درجات تفوق ما وصلت إليه الحضارات المعاصرة، وتثبت أن العلم والتقنية من جنود الله التي تساق لهداية الخلق.
دقة التعبير بـ {مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}:
لم تقل: "أسلمت لسليمان"؛ لأن الإسلام لا يكون لمخلوق قط، بل الأنبياء والملوك وسائر البشر متساوون في العبودية للخالق سبحانه؛ فقالت: {مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ}؛ أي أنا وسليمان صرنا رفيقين وأخوين في العبودية والاستسلام لإله واحد هو {رَبِّ الْعَالَمِينَ}.
وهذا منتهى التوحيد والتحرر والكرامة الإنسانية التي يمنحها الإسلام للمهتدين.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
غاية الدعوة هداية القلوب لا كسر النفوس:
لم يقصد سليمان إذلال بلقيس ولا تجريدها من ملكها، بل قصد تحريرها من الشرك؛ فلما أسلمت أقرها وأكرمها وصار ملكها في ظلال التوحيد.
حلاوة الإخبات لله: مهما بلغ الإنسان من العز والملك والجاه، فإن قمة عزه وسعادته أن يضع جبهته خاضعاً لرب العالمين معلناً: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}.