أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (19/513)جامع البيانالطبري١٩/٥١٣ بسنده في قوله: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ}: "يقول تعالى ذكره: وترى الجبال يا محمد تظنها ثابتة قائمة في أماكنها هادئة، وهي تسير سيراً حثيثاً كسير السحاب يوم القيامة عندما ينسفها الله نسفاً فتصير هباءً منثوراً، صنع الله الذي أتقن كل شيء وأحكم خلقه، إنه خبير بما تفعلون من طاعة ومعصية فيجازيكم عليها".
ونقل ابن كثير في "تفسيره" (6/214)مصدر غير محدد٦/٢١٤: هذا من أهوال يوم القيامة؛ تبدو الجبال للناظر كأنها باقية على حالها لعظمها وثقلها، وهي في الحقيقة تذهب وتنسف وتسير سير السحاب كما قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا}، {وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا}.
واختار جمع من المفسرين المعاصرين والمحققين (كالشيخ الشعراوي وابن عثيمين في بعض تقريراته وطاهر بن عاشور) أن الآية تتضمن إشارة إعجازية كونية لواقع الجبال في الدنيا مع دوران الأرض؛ لأن التعقيب بقوله: {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} يناسب كمال الخلق والتدبير القائم المشهود في دار الدنيا؛ إذ الإتقان صفة البناء والتشييد لا صفة الخراب والنسف الواقع يوم القيامة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات:
{تَحْسَبُهَا}: الحسبان هو الظن والتقدير الذهني الذي يخالف الواقع الحقيقي.
{جَامِدَةً}: ساكنة مستقرة لا حراك بها.
{تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ}: تسير في الهواء خفيفة متتابعة كسير السحاب الذي تحركه الرياح.
{صُنْعَ اللَّهِ}: الصنع هو إيجاد الشيء بإحكام وخبرة، وهو أخص من الفعل والعمل.
{أَتْقَنَ}: الإتقان هو إحكام الشيء وإتمامه على أكمل وجه وبأدق ميزان دون خلل.
الإعراب:
{وَتَرَى}: الواو عاطفة أو استئنافية، ترى مضارع مرفوع بضمة مقدرة والفاعل أنت.
{الْجِبَالَ}: مفعول به أول لـ{تَرَى} إذا كانت بصرية، أو مفعول به لترى القلبية.
{تَحْسَبُهَا}: مضارع ومفعوله الأول، وفاعله مستتر تقديره أنت، والجملة حال من الجبال أو مفعول ثان لترى.
{جَامِدَةً}: مفعول به ثان لتحسب.
{وَهِيَ}: الواو حالية، هي مبتدأ.
{تَمُرُّ}: مضارع وفاعله هي، والجملة خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الجبال.
{مَرَّ}: مفعول مطلق منصوب مبين للنوع مضاف إلى {السَّحَابِ}.
{صُنْعَ}: مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره "صَنَعَ اللهُ ذلك صُنْعاً"، أو إغراء، مضاف إلى اسم الجلالة.
{الَّذِي}: اسم موصول نعت لاسم الجلالة في محل جر.
{أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ}: فعل وفاعل ومفعول به ومضاف إليه، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{إِنَّهُ خَبِيرٌ}: إن واسمها وخبرها. {بِمَا تَفْعَلُونَ}: ما موصولة أو مصدرية متعلقان بخبير، وجملة تفعلون صلة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تداخل براهين القدرة بين الدنيا والآخرة:
هذا الموضع من أبدع مواضع التناسب؛ فإذا فُسرت بالقيامة كانت استكمالاً لمشاهد زلزلة العالم وتبدل الأرض والجبال، وإذا فُسرت بحركة الأرض والجبال في الدنيا كانت دليلاً كونياً حاضراً يبرهن على أن الإله الذي يسير هذه الجبال الصم الراسيات في مداراتها دون أن يسقط منها حجر هو الذي لا يعجزه إعادة الخلق وإتقان البعث والحساب؛ فالآية تتسع لكلا المعنيين في نسق إعجازي فريد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
محاكمة التفسيرين: هل الآية في الدنيا أم في الآخرة؟
تحقيق علمي جامع بين التفسير الأثري والإشارة العلمية:
وجه حملها على الآخرة (قول جمهور السلف): سياق الآيات قبلها وبعدها في القيامة {وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ}، ونصوص نسف الجبال وتسييرها في القيامة كثيرة كقوله: {وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ}؛ وحسبان الرائي لها جامدة لعظمها وسرعة حركتها.
وجه حملها على الدنيا (قول طائفة من المحققين المعاصرين كابن عاشور):
لفظ {تَحْسَبُهَا جَامِدَةً}: الإنسان يرى الجبال في الدنيا فيحسبها ساكنة مستقرة، بينما هي في الواقع تسبح مع الأرض في دورانها حول نفسها وحول الشمس تماماً كما يسير السحاب في طبقات الجو دون اهتزاز.
التعقيب بقوله: {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ}: الإتقان في لغة العرب هو الإحكام والتثبيت وحسن التدبير؛ والقيامة دار نقض وإفناء للبناء الكوني القائم، فلا يقال لنقض الشيء وإفنائه "إتقان الصنع"، وإنما يمتدح الإتقان في إبداع الخلق ونظامه.
الجمع الأوفق: القرآن حمال أوجه تتجلى أسراره عبر العصور؛ فالآية تأسس على مشهد القيامة في نسف الجبال وتكشف في الوقت عينه عن إعجاز حركة الأرض وثبات غلافها الجوي مع حركتها السريعة؛ وكلا الأمرين يصدع بعظمة الصانع وحكمته المطلقة.
تشبيه حركة الكتل الصخرية الضخمة الراسخة بحركة السحاب الرقيق الهادئ؛ للدلالة على السلاسة والهدوء والقدرة الهائلة التي لا يشوبها اضطراب؛ وهو من أعلى درجات الإعجاز البلاغي.
التعبير بالمصدر المؤكد {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ}:
إيقاظ للوجدان والعقل للتأمل في دقائق هذا الكون؛ فكل ذرة في الوجود مصبوغة بختم الإتقان والإحكام الإلهي البديع.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
غرس فضيلة الإتقان والعمل الصالح:
المسلم يتخلق بأخلاق الإتقان في كل عمل؛ فإذا كان صنيع الله في الكون متقناً في كل شيء، فيجب على العبد أن يتقن عبادته، ويتقن عمله وصناعته ومهنته، كما في الحديث: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه".
استشعار رقابة العليم الخبير:
ختام الآية بـ {إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} يربط بين إتقان الصنع الكوني وإتقان إحصاء أعمال العباد وسرائرهم؛ فمن لم تخف عليه ذرات الجبال كيف تخفى عليه أعمال القلوب والجوارح؟!