أخرج الطبري (19/523)مصدر غير محدد١٩/٥٢٣ عن قتادة ومجاهد وابن عباس في قوله تعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ}: "أمر الله نبيه أن يرد على استهزائهم بالبعث وتكذيبهم بالوحي بدعوتهم إلى السير في منازل الأمم البائدة من حولهم في ديار عاد وثمود وقوم لوط؛ لينظروا كيف كانت عاقبة إجرامهم وتكذيبهم برسلهم؛ ألم يدمرهم الله ويستأصل شأفتهم؟! فليحذر هؤلاء أن يصيبهم ما أصابهم".
وقال ابن كثير (6/198)مصدر غير محدد٦/١٩٨: "قل يا محمد لهؤلاء المكذبين بما جئتهم به: سيروا في الأرض فاعتبروا بما عاينتم من آثار عقوبات الله للأمم الخالية الذين كذبوا رسله وكفروا بآياته؛ كيف خربت ديارهم وباد جمعهم ونزل بهم العذاب الأليم".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{سِيرُوا}: السير هو الانتقال والمشي في الأرض بالجسد وبالبصيرة للاستكشاف والاعتبار.
{فَانظُرُوا}: نظر تأمل وتفكر واستنباط للسنن التاريخية.
{عَاقِبَةُ}: نهاية ومصير الأمر.
{الْمُجْرِمِينَ}: الذين كفروا وعصوا واقترفوا الجرائم العقدية والأخلاقية.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{قُلْ}: فعل أمر، والفاعل مستتر تقديره أنت.
{سِيرُوا}: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والجملة مقول القول في محل نصب.
{فِي الْأَرْضِ}: متعلق بـ {سِيرُوا}.
{فَانظُرُوا}: الفاء عاطفة لترتيب النظر على السير، فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل.
{كَيْفَ}: اسم استفهام مبني في محل نصب خبر كان مقدم.
{كَانَ}: فعل ماض ناقص مبني على الفتح.
{عَاقِبَةُ}: اسم كان مؤخر مرفوع بالضمة، وهو مضاف.
{الْمُجْرِمِينَ}: مضاف إليه مخفوض بالياء لأنه جمع مذكر سالم، وجملة الاستفهام معلقة لـ "انظروا" في محل نصب سدت مسد مفعوليه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال الحجاجي من الاستدلال النظري إلى الشاهد التاريخي العياني:
لما ادعوا أن الوحي {أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ}.
ردهم القرآن إلى الواقع التاريخي الملموس: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ}.
فالتاريخ ليس أساطير، بل آثار حية شاخصة في ديار ثمود وقرى لوط يرونها في أسفارهم؛ فكان هذا الرد إفحاماً عملياً يخرس دعاوى التكذيب.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
منهجية القرآن في دراسة التاريخ وعلم الآثار:
محاكمة منهجية ومعرفية:
القرآن الكريم يؤسس لأرقى مناهج "السياحة الاعتبارية وفلسفة التاريخ"؛ فالسير في الأرض ليس مجرد سياحة ترفيهية أو استطلاع للأحجار والآثار الصامتة، بل هو قراءة لسيرة السنن الإلهية في المجتمعات: كيف ارتقت؟ ولماذا هلكت؟
والنتيجة المطردة عبر كل العصور: أن الإجرام والظلم والكفر نتيجته الحتمية الدمار والزوال؛ فالتاريخ مختبر حي لصدق الوحي.