أخرج الطبري (19/438)مصدر غير محدد١٩/٤٣٨ عن ابن عباس وقتادة ومجاهد في قوله: {إِلَّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ}: قال: الاستثناء هنا منقطع بمعنى "لكن"، أي: لكن من ظلم من سائر الناس ثم تاب وأناب وبدل عمله السيئ بعمل صالح فإني غفور له رحيم به.
وقيل في رواية أخرى عن الضحاك وسعيد بن جبير: هو استثناء متصل من جنس البشر أو من الرسل باعتبار ما قد يقع منهم من الصغائر أو ترك الأولى قبل النبوة أو هفوات لا يقرون عليها؛ كتناول آدم من الشجرة، وتوكز موسى للقبطي، فإذا تابوا وبدلوا استقرت لهم المغفرة التامة وزال الخوف.
وقال ابن كثير (6/177)مصدر غير محدد٦/١٧٧: "هذا استثناء منقطع فيه بشارة عظيمة للبشر؛ كأنه يقول: لا يخاف لدي الرسل ولا من تاب وأناب وأصلح؛ فإن الله يتوب عليه ويبدل سيئاته حسنات".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{إِلَّا}: أداة استثناء تفيد الاستدراك والانقطاع (أو الاتصال على رأي).
{ظَلَمَ}: أوقع الظلم بترك الأولى أو مقاربة معصية ونقص في حق نفسه.
{بَدَّلَ حُسْنًا}: التبديل تغيير الشيء بغيره، والحسن هو التوبة والعمل الصالح وملازمة الطاعة.
{بَعْدَ سُوءٍ}: بعد العمل السيئ أو الهفوة التي سلف وقوعها.
{غَفُورٌ رَّحِيمٌ}: صيغتا مبالغة تدلان على سعة ستر الذنوب ومحو آثارها، والرحمة الواسعة الموصلة إلى رضوان الله.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{إِلَّا}: أداة استثناء.
{مَن}: اسم موصول مبني في محل نصب على الاستثناء المنقطع (بمعنى لكن من ظلم)، أو في محل نصب على الاستثناء المتصل من الضمير المستكن في "لا يخاف" أو من عموم المكلفين.
{ظَلَمَ}: فعل ماض، والفاعل مستتر تقديره هو، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{ثُمَّ}: حرف عطف يفيد التراخي والترتيب الرتبي في فضل التوبة.
{بَدَّلَ}: فعل ماض، والفاعل مستتر.
{حُسْنًا}: مفعول به أول لـ {بَدَّلَ}.
{بَعْدَ سُوءٍ}: ظرف مكان/زمان متعلق بمحذوف حال أو بالفعل، وسوء مضاف إليه، وهو في موضع المفعول الثاني بحذف حرف الجر (بدل حسناً بسوء).
{فَإِنِّي}: الفاء رابطة لجواب الشرط لتضمن الموصول معنى الشرط، {إِنَّ} واسمها.
{غَفُورٌ}: خبر إن أول مرفوع.
{رَّحِيمٌ}: خبر ثانٍ مرفوع بالضمة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إشاعة الأمل والتطمين بعد إعلان الهيبة والأمن للرسل:
لما قرر في الآية السابقة أن المرسلين لا يخافون في ساحة القرب: {إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ}، وكان موسى عليه السلام يستحضر في أعماقه قتله للقبطي خطأً ويشفق من عاقبة ذلك، جاء هذا الاستثناء بلطف إلهي فائق ليعلمه أن تلك الهفوة قد غُفرت، وأن توبته وإحسانه قد بدلا ذلك السوء حسناً، فلا يبقى في نفسه أدنى ذرة من خوف.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
عصمة الأنبياء وحقيقة الاستثناء:
الشبهة: هل يفيد قوله {إِلَّا مَن ظَلَمَ} أن الرسل يقع منهم الظلم المحبط للرسالة؟
المحاكمة والتحرير العقدي الصارم:
إجماع أمة الإسلام على أن الرسل معصومون من الكبائر ومن كل ما يخل بالرسالة والتبليغ والشرف.
إن حُمل الاستثناء على الانقطاع (وهو الراجح عند المحققين كابن جرير والقرطبي وابن كثير)؛ فلا إشكال أصلاً؛ لأن المعنى: المرسلون لا يخافون، لكن من ظلم من غيرهم ثم تاب فإنه ينال الأمان بمغفرة الله.
وإن حُمل على الاتصال: فالمراد بالظلم هنا الصغائر غير المخلة أو خلاف الأولى والهفوات التي يسبق بها القدر كوكزة موسى للقبطي قبل البعثة، ومثل هذا يُعقب توبة فورية وندماً عظيماً، فترتفع به درجاتهم عند الله؛ فالعبرة بكمال النهاية لا بنقص البداية.
استُعمل حرف التراخي {ثُمَّ} للإشعار بعلو رتبة التوبة والإحسان بعد الإساءة وبُعد ما بين الرتبتين؛ فالانتقال من درك الخطيئة إلى أفق الإحسان مقام جليل يحبه الله.
الاقتران بين {غَفُورٌ رَّحِيمٌ}: الغفور يمحو أثر الذنب ويعفو، والرحيم يفيض بالعطاء ويبدل السيئة حسنة.
تدبر سعة الرحمة: فتح باب الأمل لكل مذنب مهما تعاظمت خطيئته؛ فبمجرد تبديل السوء بالإحسان تتنزل مغفرة الرحيم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحويل الندم إلى طاقة عمل وإصلاح:
المنهج القرآني في التوبة لا يقف عند حد الأسف السلبي، بل يوجب "التبديل": إتباع السيئة الحسنة تمحها، ومحو آثار الخطايا بمزيد من البذل والإصلاح.
زرع الرجاء في نفوس العصاة: الداعية لا يقنط أحداً من رحمة الله، بل يفتح أمام التائبين أبواب المغفرة والرضوان.