أخرج الطبري (19/471)مصدر غير محدد١٩/٤٧١ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في قوله تعالى: {فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ}: لما وصل وفد بلقيس بالهدية والتحف إلى سليمان في بيت المقدس، وقد أمر سليمان الجن فبنوا له قصوراً وصرحاً وجعلوا لبنات الذهب في ممرات خيله، فلما رأى رسل بلقيس ذلك صغرت هديتهم في أعينهم، فلما قدموا الهدية أنكرها عليهم سليمان وزجرهم وقال: {أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ}.
وقرأ حمزة ويعقوب: {أَتُمِدُّونَنِّ} بإدغام النون في النون وتشديدها وكسرها مع فتح الياء أو إثباتها، وقرأ نافع وأبو جعفر: {أَتُمِدُّونَنِ} بنون واحدة خفيفة مكسورة بعدها ياء محذوفة وصلاً ووقفاً، وقرأ الباقون بنونين مظهرتين خفيفتين {أَتُمِدُّونَنِي}.
وقرأ قالون وحفص: {فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ} بفتح الياء وصلاً وحذفها وقفاً، وورش وأبو عمرو بإثباتها مفتوحة وصلاً وساكنة وقفاً.
وقال ابن كثير (6/186)مصدر غير محدد٦/١٨٦: "رد سليمان هديتهم رداً قاطعاً مستعلياً بفضل ربه ونبوته؛ مبيناً أنه لا يطلب المال ولا تنطلي عليه المداهنة؛ فما أعطاه الله من النبوة والملك وتسخير الجند خير مما يملكه أهل الأرض، وإنما يفرح بهذه الزخارف الفانية أهل الدنيا الذين لا هم لهم إلا حطامها".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{أَتُمِدُّونَنِ}: الإمداد هو الزيادة والإعانة بالمال شيئاً بعد شيء، والاستفهام للإنكار التوبيخي والاستعلاء الإيماني.
{فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ}: ما وهبني ربي من النبوة والحكمة والدين وتسخير الكائنات خير وأفضل وأبقى.
{بَلْ}: حرف إضراب وانتقال لبيان الخلل في موازينهم.
{تَفْرَحُونَ}: الفرح هنا فرح بطر وزينة دنيوية واستكثار بالمتاع الزائل.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{فَلَمَّا}: الفاء عاطفة، "لما" حينية شرطية.
{جَاءَ}: فعل ماض، والفاعل مستتر تقديره هو يعود على الرسول أو الوفد.
{سُلَيْمَانَ}: مفعول به مقدم منصوب بالفتحة (ممنوع من الصرف).
{قَالَ}: فعل ماض، والجملة جواب لما لا محل لها.
{أَتُمِدُّونَنِ}: الهمزة للإنكار والتوبيخ، {تُمِدُّونَنِي} فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والنون للوقاية، والياء مفعول به.
{بِمَالٍ}: متعلق بـ {تُمِدُّونَنِ}.
{فَمَا}: الفاء تعليلية، "ما" اسم موصول مبتدأ.
{آتَانِيَ}: فعل ماض، والنون للوقاية والياء مفعول به أول.
{اللَّهُ}: لفظ الجلالة فاعل مرفوع بالضمة، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{خَيْرٌ}: خبر المبتدأ "ما" مرفوع بالضمة الظاهرة.
{مِّمَّا}: من حرف جر، "ما" موصولة ومجرورة متعلق بـ {خَيْرٌ}.
{آتَاكُم}: فعل ماض وفاعله مستتر، والكاف مفعول به، والجملة صلة.
{بَلْ}: حرف إضراب وعطف.
{أَنتُم}: ضمير منفصل في محل رفع مبتدأ.
{بِهَدِيَّتِكُمْ}: متعلق بـ {تَفْرَحُونَ} قُدّم للحصر والاهتمام.
{تَفْرَحُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ "أنتم".
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الصدمة الإيمانية التي فضحت حسابات المادة:
جاء وفد سبأ يظن أن الهدية ستلين قلب سليمان وتصرفه عن طلب الاستسلام والانقياد.
ففاجأهم سليمان بالرفض الصارم والإنكار التوبيخي: {أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ}.
ثم قارن بين عطاء الله له وعطائهم المادي: {فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم}.
ثم فضح فلسفتهم الساقطة: {بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ}؛ ليوجه رسالة قاطعة لبلقيس بأن معركته ليست معركة ذهب وفضة، بل معركة توحيد وإيمان.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
رفض الهدية في مواطن المداهنة على حساب المبادئ:
محاكمة فقهية ودعوية: النبي ﷺ قبل الهدية من النجاشي والمقوقس؛ فلماذا رفض سليمان هدية بلقيس هنا؟
الجواب المحرر:
هدية بلقيس لم تكن هدية إكرام وتودد مجردة، بل كانت "رشوة سياسية ومداهنة" تهدف إلى كفه عن دعوتهم للتوحيد وتركه إياهم على عبادة الشمس؛ فقبولها يعني إقرارهم على الشرك والتهاون في أصل الدين.
والأنبياء وحكام العدل لا يقبلون الهدايا التي تعطل تطبيق شرع الله وحكم التوحيد؛ فكان الرد الصارم واجباً شرعياً وسياسياً لإظهار عزة الدين.
تقديم الجار والمجرور يفيد القصر والاختصاص والتوبيخ؛ أي أنتم وحدكم الذين تأسركم هذه الهدايا التافهة وتفرحون بها لغفلتكم عن نعيم الإيمان وعزة النبوة؛ أما أنا فلا ألتفت إلى هذا الحطام.
إضافة العطاء إلى الله {فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ}: تأكيد على تجريد الشكر ونسبة الفضل لواهبه سبحانه.
تدبر غنى القلب: الغنى الحقيقي غنى النفس والاعتزاز بالله، فمن استغنى بالله صغرت في عينه أموال الدنيا كلها.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الاستعلاء على المساومات الرخيصة:
درس خالد للدعاة والمصلحين: لا تبيعوا قضاياكم وأمتكم بأموال وسلطان الدنيا؛ فإن ما عند الله خير وأبقى.
الحذر من هدايا المداهنة: المسؤول والقاضي والداعية يجب أن يمتنع عن قبول أي هدية تريب أو يراد بها استمالة حكمه والتأثير على عدالته.