أخرج الطبري (19/477)مصدر غير محدد١٩/٤٧٧ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وسعيد بن جبير ومحمد بن إسحاق في قوله تعالى: {قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ}: "هو آصف بن برخيا، وكان صديقاً من بني إسرائيل يعلم اسم الله الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب وإذا سُئل به أعطى. وقيل: هو الخضر، وقيل: ملك من الملائكة أيده الله به، وقيل: هو سليمان نفسه؛ والأول هو قول جمهور السلف والمفسرين؛ دعا الله باسمه الأعظم: (يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام)، فغار العرش في أرض سبأ ونبع وظهر بين يدي سليمان بالشام في أقل من لمح البصر".
وروى ابن أبي حاتم (8/2791)مصدر غير محدد٨/٢٧٩١ عن ابن عباس قال: "{قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ}: أن تطرف بعينك وتنظر إلى أبعد ما يبلغه بصرك ثم ترده فلا ينتهي إليك حتى يكون العرش حاضراً بين يديك".
وقال ابن كثير (6/188)مصدر غير محدد٦/١٨٨: "فلما عاين سليمان العرش العظيم مستقراً عنده في تلك اللحظة الخاطفة الخارقة، لم يدخله كبر ولا بطر، بل خر ساجداً شاكراً وقال: {هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ}؛ مبيناً أن النعم ابتلاء وامتحان، وأن الشاكر إنما يعود نفع شكره على نفسه، وأن الكافر لا يضر الله شيئاً فإن ربي غني كريم".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ}: علم مستمد من الوحي الإلهي والصحف المنزلة، متضمن معرفة الأسماء الحسنى وأسرار الدعاء المستجاب.
{يَرْتَدَّ}: يرجع وينقلب.
{طَرْفُكَ}: الطرف تحريك الجفن وإرسال البصر ورده؛ وهو أسرع مقياس زمني يدركه الإنسان في حركته.
{مُسْتَقِرًّا}: ثابتاً قاراً في مكانه سالماً كأنه لم ينقل من موضعه.
{لِيَبْلُوَنِي}: اللام للتعليل، والبلاء هو الاختبار والامتحان الشاق.
{غَنِيٌّ كَرِيمٌ}: غني عن شكر الشاكرين وعبادة العابدين، كريم يعم فضله حتى الكافرين مع كفرهم.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{قَالَ}: فعل ماض.
{الَّذِي}: اسم موصول مبني في محل رفع فاعل.
{عِندَهُ}: ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، والهاء مضاف إليه.
{عِلْمٌ}: مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{مِّنَ الْكِتَابِ}: متعلق بمحذوف نعت لـ {عِلْمٌ}.
{أَنَا آتِيكَ بِهِ}: مبتدأ وخبر، والكاف مفعول به أول، وبه المفعول الثاني.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تفوق سلطان العلم الروحي والرباني على قوى المادة:
في الآية السابقة (39) قال العفريت بقوة عضلات الجن: {أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ} (في نصف يوم).
وهنا في الآية (40) قال صاحب العلم: {أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} (في كسر من الثانية).
وهذا يقرر في النظم القرآني تفوق العلم والإيمان والدعاء على العضلات والقوة المادية المفرطة؛ فالقوة الحقيقية سرها الاتصال بالله وبأسمائه الحسنى.
ورد الفعل النبوي كان في قمة التواضع: {قَالَ هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي}؛ فلم ينسب الفضل لنفسه ولا لعظمة مملكته.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحرير كرامات الأولياء ومعجزات الأنبياء:
محاكمة عقدية لأهل السنة والجماعة:
تدل الآية دلالة قاطعة على إثبات "كرامات الأولياء"؛ فآصف بن برخيا لم يكن نبياً بل كان رجلاً صالحاً صديقاً عنده علم من الكتاب، فأجرى الله على يديه هذه الكرامة الخارقة بنقل العرش في طرفة عين إكراماً لنبيه سليمان ودعماً لرسالته.
وكل كرامة لولي هي في الحقيقة معجزة للنبي الذي يتبعه؛ لأنها ثمرة اتباعه والاهتداء بهديه.
والفيزياء المعاصرة تقر بإمكانية تحويل المادة إلى طاقة ونقلها بسرعة الضوء ثم إعادة تركيبها؛ فكيف إذا كان الفاعل هو القادر المطلق الذي يقول للشيء كن فيكون؟!