أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (19/517)جامع البيانالطبري١٩/٥١٧ بسنده عن ابن عباس وأبي هريرة ومجاهد وقتادة في قوله: {وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ}: قالوا: "هو الشرك بالله الذي لا يغفره الله ولا يقبل معه عملاً".
وذكر ابن كثير في "تفسيره" (6/215)مصدر غير محدد٦/٢١٥: {فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ}: أي ألقوا على وجوههم منكوسين في جهنم، كما قال تعالى: {يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ}، ويقال لهم توبيخاً وتقريعاً: {هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}؛ أي هذا عدل الله فيكم وجزاء أعمالكم القبيحة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات:
{بِالسَّيِّئَةِ}: العمل القبيح المحرم، والمراد بها هنا السيئة الكبرى المحبطة للأعمال وهي الشرك والكفر بالله.
{فَكُبَّتْ}: الكبّ هو الإلقاء والقلب على الوجه أو الرأس، وهو أشد حالات الإهانة والصرع.
{وُجُوهُهُمْ}: جمع وجه، وخص الوجه لأنه أشرف أعضاء الجسد ومجمع المحاسن والإدراك.
الإعراب:
{وَمَن}: الواو عاطفة للمقابلة، من اسم شرط جازم مبتدأ.
{جَاءَ}: فعل ماض في محل جزم فعل الشرط، والفاعل مستتر.
{بِالسَّيِّئَةِ}: متعلقان بـ{جَاءَ}.
{فَكُبَّتْ}: الفاء رابطة لجواب الشرط، كبت فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث.
{وُجُوهُهُمْ}: نائب فاعل مرفوع بالضمة، وهم مضاف إليه، والجملة في محل جزم جواب الشرط، والشرط وجوابه خبر من.
{فِي النَّارِ}: متعلقان بـ{كُبَّتْ}.
{هَلْ}: حرف استفهام تقريري توبيخي.
{تُجْزَوْنَ}: مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون، والواو نائب فاعل.
{إِلَّا}: أداة حصر.
{مَا}: اسم موصول في محل نصب مفعول به ثان لتجزون، أو مصدرية.
{كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}: كان واسمها، وتعملون خبرها، والجملة صلة الموصول.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة القرآنية التامة:
مقابلة بلاغية عادلة بين مآل أهل الحسنات ومآل أهل السيئات؛ فالأولون فازوا بالأجر المضاعف والأمن من الفزع، والآخرون أهينوا بالكب على وجوههم في نار الجحيم وسماع التقريع، لتتضح الفوارق وتكتمل معالم العدل والجزاء.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
العدالة المطلقة في الجزاء:
محاكمة أصولية عقدية:
ختم الآية بقوله: {هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}؛ نفي لأي شائبة ظلم؛ فالله تعالى لا يعاقب أحداً بذنب غيره، ولا يعاقب إلا بما كسبت أيديهم جزاءً وفاقاً؛ فالنار ليست ظلماً ولا انتقاماً اعتباطياً، بل هي التجلي الحقيقي لخبث أعمالهم وشركهم في دار الدنيا؛ فالجزاء من جنس العمل.
إظهار لقمة المهانة والخزي؛ فالوجه هو موضع العزة والكرامة والتكبر في الدنيا؛ فمن استكبر عن السجود لله بوجهه في الدنيا أهانه الله بكب وجهه في النار وتحريقه في الآخرة.
الالتفات إلى الخطاب {هَلْ تُجْزَوْنَ}:
التفات من الغيبة في {وُجُوهُهُمْ} إلى الخطاب المباشر {هَلْ تُجْزَوْنَ} توبيخاً وتقريعاً وإشهاداً لهم على عدل الله فيهم وهم في قعر الجحيم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الخوف والوجل من السيئات والشرك:
استشعار خطورة الذنوب والشرك والبدع، والمسارعة إلى التوبة والاستغفار؛ فإن السيئة إذا أحاطت بصاحبها ومات عليها كبته في النار.
الجزاء من جنس العمل:
من تواضع لله في الدنيا رفع الله وجهه في الآخرة وأمنه، ومن استكبر بباطل كب الله وجهه في نار جهنم.