أخرج مسلم في "صحيحه" (كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب في الآيات التي تكون قبل الساعة، برقم 2901)مصدر غير محددحديث رقم ٢٩٠١ عن حذيفة بن أسيد الغفاري رضي الله عنه قال: "اطلع النبي ﷺ علينا ونحن نتذاكر، فقال: ما تذاكرون؟ قالوا: نذكر الساعة، قال: إنها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات: فذكر الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم".
وأخرج الترمذي في "سننه" (برقم 3187)مصدر غير محددحديث رقم ٣١٨٧ وصححه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: "تخرج الدابة ومعها عصا موسى وخاتم سليمان، فتجلو وجه المؤمن بالعصا، وتخطم أنف الكافر بالخاتم، حتى يبيت الناس وهم يتعاملون فيقولون: يا مؤمن ويا كافر".
قال ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (19/501)جامع البيانالطبري١٩/٥٠١: {وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ}: أي وجب عليهم العذاب وحقت عليهم كلمة العذاب لتماديهم في الكفر وانقطاع زمان التوبة وإعراضهم عن الآيات، أخرج الله دابة من الأرض تميز بين المؤمن والكافر.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات:
{وَقَعَ الْقَوْلُ}: وجب غضب الله وحق العذاب عليهم، وانقضى أجل الإمهال بإغلاق باب التوبة عند طلوع الشمس من مغربها.
{دَابَّةً}: كل ما يدبّ على وجه الأرض من الأحياء، ونكرت لتهويل أمرها وتنكير وصفها وخروجها عن المألوف.
{تُكَلِّمُهُمْ}: من الكلام المعروف تخاطبهم بلسان فصيح عربي مبين توبخهم وتخبرهم، وقيل من الكَلْم وهو الجرح والوسم؛ والقراءتان متواترتان: قراءة الجمهور {تُكَلِّمُهُمْ} من الكلام، وقراءة عكرمة وأبي زرعة {تَكْلِمُهُمْ} بفتح التاء وسكون الكاف وكسر اللام من الكَلْم أي تجرحهم وتسمهم.
الإعراب:
{وَإِذَا}: ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه.
{وَقَعَ الْقَوْلُ}: فعل وفاعل، والجملة في محل جر بالإضافة.
{عَلَيْهِمْ}: جار ومجرور متعلقان بـ{وَقَعَ}.
{أَخْرَجْنَا}: فعل وفاعل، والجملة جواب إذا لا محل لها من الإعراب.
{أَنَّ النَّاسَ}: قراءة بالفتح تعليلية بتقدير اللام (بأن الناس)، أو مفعول به لـ{تُكَلِّمُهُمْ} أي تخبرهم بأن الناس؛ وقرأ الكوفيون {إِنَّ النَّاسَ} بكسر الهمزة على إضمار القول؛ أي: تقول لهم: إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التناسب مع موات القلوب وإعراض الكفار:
لما بيّن في الآيات السابقة أن الكفار صم عمي موتى لا يستجيبون للوحي الناطق المعجز المنزّل من السماء على أشرف المرسلين، عاقبهم الله في آخر الزمان بإخراج دابة بهيمة من الأرض التي يدوسونها بأقدامهم تكلمهم وتوبخهم وتفضح كفرهم؛ فمن لم يعظم كلام الله المنزل على لسان النبي المعصوم، أهانه الله بسماع التوبيخ من دابة بهيمية من الأرض.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
إثبات خروج دابة الأرض ودحض تأويلات العقلانيين:
محاكمة عقدية منهجية:
حاول بعض المعاصرين المتأثرين بالعقلانية المادية تأويل "الدابة" بالميكروبات أو الفيروسات أو آلات التكنولوجيا والأسلحة، وهذا تأويل فاسد ساقط يصطدم بصريح القرآن والسنن المتواترة وإجماع سلف الأمة؛ فالنص القرآني صريح: {تُكَلِّمُهُمْ} وتخاطب الناس وتبين لهم علة هلاكهم، والحديث الصحيح نصّ على أنها تسم الناس وتخرج قبل قيام الساعة من أمارات الساعة الكبرى؛ والله الذي أنطق الهدهد والنملة قادر بلا ريب على إنطاق دابة تخرج من الأرض خرقاً للعادة وإيذاناً بنهاية التكليف، ومذهب أهل السنة إمرار النصوص على حقيقتها دون تأويل ولا تحريف.
التعبير بـ {أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ}:
خروجها "من الأرض" إشارة إلى أصل التكوين والمهانة؛ فالإنسان الذي استكبر على وحي السماء المتنزل من فوق سبع سموات يهبط إلى مستوى أن تدله دابة من الأرض وتسمه على أنفه؛ كمال الإذلال والعدالة الإلهية.
الالتفات في {كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ}:
الالتفات من ضمير الغيبة إلى ضمير العظمة {بِآيَاتِنَا}؛ للدلالة على عظم الجرم في التكذيب بآيات الله العلية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
اغتنام زمن الإمهال قبل إغلاق باب التوبة:
خروج الدابة علامة فاصلة لإغلاق باب التوبة وتمييز المؤمن من الكافر؛ والواجب على كل مؤمن المسارعة إلى التوبة الصادقة والإنابة قبل أن يقع القول وتحل الفواجع التي لا ينفع معها ندم.
ترسيخ اليقين بآيات الله:
اليقين هو روح الإيمان؛ والتحذير الشديد من التردد والشك والتشكيك في معالم الدين وأشراط الساعة.