أخرج الطبري (19/430)مصدر غير محدد١٩/٤٣٠ عن قتادة في قوله تعالى: {هُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ}: "هدى من الضلالة، وبشرى بالجنة ونعيمها الدائم للذين صدقوا بكتاب الله ورسوله وعملوا بأمره".
وروى عبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن قتادة: "القرآن هدى للناس عامة في إقامة الحجة، وهدى وبشرى للمؤمنين خاصة في الانتفاع والقبول والثواب".
وقال ابن كثير (6/174)مصدر غير محدد٦/١٧٤: "أي إنما ينتفع بهذا القرآن وتنجلي به بصائر الذين آمنوا به وصدقوه واتبعوا ما فيه، فيهديهم في الدنيا إلى سبل السلام، ويبشرهم في الآخرة بالفوز بالرضوان والنعيم المقيم".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{هُدًى}: مصدر هدى يهدي هداية وهدى، وهو الدلالة والإرشاد بلطف وإيصال للمطلوب.
{بُشْرَىٰ}: اسم مصدر للبشارة، وهي الخبر السار الذي يظهر أثره فرحاً وانبساطاً على بشرة الوجه.
{لِلْمُؤْمِنِينَ}: جمع مؤمن، وهو المصدق بقلبه المتبع بجوارحه المستسلم لله تعالى.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{هُدًى}: حال منصوبة بفتحة مقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر (حال من آيات القرآن)، أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره "هو هدى"، أو نعت ثانٍ لـ {كِتَابٍ}.
{وَبُشْرَىٰ}: الواو عاطفة، {بُشْرَىٰ} اسم معطوف على {هُدًى} منصوب أو مرفوع بضمة مقدرة على الألف للتعذر.
{لِلْمُؤْمِنِينَ}: اللام حرف جر للاختصاص أو الاستحقاق، {الْمُؤْمِنِينَ} اسم مجرور باللام وعلامة جره الياء لأنه جمع مذكر سالم، والجار والمجرور متعلق بـ {هُدًى} أو {بُشْرَىٰ} أو بمحذوف نعت لهما.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة النظمية والوظيفية للقرآن:
في الآية السابقة وصفه بذاته: {آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُّبِينٍ}، وهنا وصفه بأثره الفاعل في النفوس المهتدية: {هُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ}.
وبدأ بالهدى لأنه الأساس والشرط؛ فالهداية هي العمل بالعلم والاهتداء بالصراط، وثمرة هذه الهداية هي البشارة بالفوز العظيم؛ فترتبت الثمرة على مقدمتها بأدق نظام.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
توجيه اختصاص المؤمنين بالهدى مع أن القرآن للناس كافة:
الشبهة: قال تعالى في سورة البقرة: {هُدًى لِّلنَّاسِ}، وقال هنا: {هُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ}، فهل هذا تناقض؟
المحاكمة والتحرير العقدي:
الهداية نوعان: هداية دلالة وإرشاد وبيان عامة لجميع الخلق تقوم بها الحجة وينقطع بها العذر، وهداية توفيق ومعونة وانتفاع خاصة بالمؤمنين الذين انشرحت صدورهم للحق.
فالمؤمنون هم الذين باشرت قلوبهم أنوار الوحي فانتفعوا بهدايته واستحقوا بشارته، بخلاف المعاند الذي رأى النور فغمض عينيه كبراً فصار القرآن عليه عمى وخساراً.