أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (19/465)جامع البيانالطبري١٩/٤٦٥ بسنده عن قتادة ومجاهد وابن عباس في قوله تعالى: {قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي}: لما قرأت بلقيس كتاب سليمان وعلمت ما فيه من الجزم وإيجاز البلاغ، استشارت وجوه قومها وقادة جندها، فقالت: أشيروا علي في هذا الخطب الجليل، {مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا}: ما كنت قاضية حكماً ولا مبرمة شأناً في تدبير المملكة، {حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ}: حتى تحضروا وتشهدوا برأيكم ومشورتكم.
وروى ابن أبي حاتم في تفسيره (8/2786)مصدر غير محدد٨/٢٧٨٦ عن السدي: "كانت بلقيس امرأة لبيبة حازمة، فلما أتاها الكتاب كرهت أن تستبد بالأمر دون أشراف حمير وقادتها؛ لتستوثق من نصرتهم إن دهمهم أمر حرب، وتختبر عقولهم في تدبير السلم".
وذكر ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (6/185)تفسير القرآن العظيمابن كثير٦/١٨٥: "أظهرت لهم منتهى الدبلوماسية والسياسة العاقلة؛ فخاطبتهم بالاحترام والتقدير، واستفتتهم في نازلة هذا الكتاب الغريب، مؤكدة أنها لا تقطع أمراً مصيرياً يتعلق بملكها وشعبها إلا بحضورهم ومشاركتهم".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{أَفْتُونِي}: الفتيا في الأصل الجواب عن المسألة المشكلة، واستُعملت هنا في طلب الرأي والمشورة السياسية السديدة في هذا الأمر المعضل.
{قَاطِعَةً}: من القطع وهو الفصل والبت والإبرام النهائي؛ يُقال: قطع الأمر إذا أمضاه وفصل فيه دون تردد.
{تَشْهَدُونِ}: من الشهود وهو الحضور والمعاينة والمشاركة، والنون للوقاية وياء المتكلم محذوفة رسماً وتخفيفاً.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{قَالَتْ}: فعل ماض مبني على الفتح، والتاء للتأنيث، والفاعل مستتر تقديره هي.
{يَا}: حرف نداء. {أَيُّهَا}: منادى نكرة مقصودة مبني على الضم في محل نصب، و"ها" للتنبيه.
{الْمَلَأُ}: نعت أو بدل لأي مرفوع بالضمة الظاهرة.
{أَفْتُونِي}: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والنون للوقاية، والياء ضمير متصل في محل نصب مفعول به.
{فِي أَمْرِي}: جار ومجرور متعلق بـ {أَفْتُونِي}، والياء مضاف إليه.
{مَا}: نافية تعمل عمل ليس (أو مهملة).
{كُنتُ}: كان واسمها التاء.
{قَاطِعَةً}: خبر كان منصوب بالفتحة الظاهرة.
{أَمْرًا}: مفعول به لاسم الفاعل "قاطعة" منصوب بالفتحة.
{حَتَّىٰ}: حرف غاية ونصب.
{تَشْهَدُونِ}: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد حتى وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعل، والنون للوقاية، والياء المحذوفة مفعول به، والمصدر المؤول في محل جر بـ حتى.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تدرج الحكمة القيادية من وصف الكتاب إلى صناعة القرار:
في الآيات السابقة أعلنت تلقي الكتاب ووصفته بالكرم وبيّنت موجز محتواه: {إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ...}.
ثم انتقلت مباشرة إلى إشراك المؤسسة الاستشارية: {أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ}.
وهذا يعكس حنكة استثنائية في إدارة الأزمات المصيرية؛ حيث يجمع القائد بين هيبته واستقلاليته، وبين تماسك الجبهة الداخلية عبر الشورى الصادقة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
فضيلة الشورى وأثرها في استقرار الحكم:
محاكمة سياسية مقارنة:
قارن القرآن بين استبداد فرعون: {مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ} الذي قاده وقومه إلى الغرق والخسران، وبين نهج بلقيس القائم على الشورى: {أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ} الذي قادها إلى التريث وفحص الأمر حتى أسلمت مع سليمان وسلم قومها وملكها.
فالشورى حصن منيع ضد الزلل، ومستودع العقول الذي يقي الأمم كوارث القرارات الانفعالية.
استعارة الفتيا في المشورة السياسية لإضفاء طابع الجدية والمسؤولية والبحث عن الرأي الأصلح والأنفع.
نفي الفعل بصيغة اسم الفاعل {مَا كُنتُ قَاطِعَةً}: للدلالة على ثبات هذه السمة وعراقتها في سلوكها السياسي؛ أي ليس من عادتي ولا من شيمتي الاستبداد بالرأي.
تدبر رجاحة العقل: العقل الراجح يدرك أن قوة الملك ليست في الانفراد بالرأي، بل في استجماع آراء الحكماء والمخلصين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
ترسيخ مبدأ الشورى في الأسرة والإدارة والمجتمع:
الشورى ليست ترفاً سياسياً، بل هي فريضة شرعية وضرورة إدارية وتربوية؛ فيجب تفعيلها في البيت والعمل والمؤسسات لتأليف القلوب وتحمل المسؤولية المشتركة.
الاستماع لأهل الرأي والخبرة: لا يكتمل نضج القرار إلا بالاستعانة بأهل الاختصاص والنزاهة والصدق.