أخرج الطبري (19/484)مصدر غير محدد١٩/٤٨٤ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وسعيد بن جبير: "فلما وصلت بلقيس إلى مجلس سليمان عُرض عليها العرش المنكَّر، وقيل لها مستفهماً على سبيل التقرير والتعمية: {أَهَٰكَذَا عَرْشُكِ}؟ فلم تقل: (هو هو) لأنها رأته متغيراً في بعض صفاته، ولأنها تركته وراءها في مأرب محبوساً في سبعة أبيات مغلقة بالحراس فاستبعدت عقلاً وصوله قبلها؛ ولم تقل: (ليس هو) لأنها رأت أصوله وعلاماته وجواهره وقوائمه التي لا تخفى عليها؛ فأتت بجواب جمع غاية الذكاء والحصافة فقالت: {كَأَنَّهُ هُوَ}؛ فشبهت ولم تجزم، وأصابت كبد الحقيقة".
وقوله: {وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ}: أخرج الطبري عن مجاهد أنه من كلام سليمان عليه السلام؛ أي قال سليمان لما رأى ذكاءها: قد أوتينا العلم بالله وبقدرته وصحة نبوتنا من قبل هذه الملكة وإسلامها، وكنا مسلمين مخلصين لله قبلها. وقيل: هو من كلام بلقيس؛ أي قد علمنا قدرة سليمان وصدق نبوته بالآيات السابقة من قبل معاينة العرش، وكنا منقادين لأمره. والقول الأول أرجح عند المحققين كابن جرير وابن كثير وابن عاشور.
وقال ابن كثير (6/189)مصدر غير محدد٦/١٨٩: "هذا منتهى الذكاء والفصاحة؛ لم تسقط في فخ الجزم بالنفي ولا بالإثبات، بل أجابت بجواب يشهد برجاحة عقلها الذي فتن الحاضرين".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{أَهَٰكَذَا}: همزة الاستفهام دخلت على ها التنبيه وكاف التشبيه واسم الإشارة "ذا"؛ أي أهكذا شبه عرشك في الهيئة والشكل؟
{كَأَنَّهُ هُوَ}: تشبيه مطابق ومحترز؛ كأن حرف تشبيه ونصب، واستعملت التشبيه لتجمع بين احتمال التطابق واحتمال الشبه دون تورط في خطأ حسي.
{وَأُوتِينَا الْعِلْمَ}: العلم بالله وبقدرته ومعجزاته وتسخيره.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{فَلَمَّا}: الفاء عاطفة، "لما" حينية شرطية.
{جَاءَتْ}: فعل ماض، والفاعل مستتر تقديره هي، والجملة مضاف إليها.
{قِيلَ}: فعل ماض مبني للمجهول، والجملة جواب الشرط لا محل لها.
{أَهَٰكَذَا}: الهمزة للاستفهام، ها للتنبيه، الكاف حرف جر، "ذا" اسم إشارة في محل جر متعلق بمحذوف خبر مقدم.
{عَرْشُكِ}: مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة، والكاف مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول لنائب الفاعل.
{قَالَتْ}: فعل ماض وفاعله مستتر.
{كَأَنَّهُ}: كأن حرف تشبيه ونصب، والهاء اسمها.
{هُوَ}: ضمير منفصل مبني في محل رفع خبر كأن، والجملة مقول القول.
{وَأُوتِينَا}: الواو استئنافية من كلام سليمان (أو بلقيس)، فعل ماض مبني للمجهول، و"نا" نائب فاعل.
{الْعِلْمَ}: مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة الظاهرة.
{مِن قَبْلِهَا}: جار ومجرور متعلق بـ {أُوتِينَا}، والهاء مضاف إليه.
{وَكُنَّا}: كان واسمها "نا".
{مُسْلِمِينَ}: خبر كان منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المطابقة البديعة بين السؤال الدقيق والجواب الأذكى:
الممتحِن سأل بدهاء وتعمية: {أَهَٰكَذَا عَرْشُكِ} (ولم يقل: أهذا عرشك؟ لئلا يدلها على أنه عين العرش).
والممتحَنة أجابت بأعلى درجات الفطنة: {كَأَنَّهُ هُوَ} (ولم تقل: هو، ولا ليس هو).
فجاء الجواب على مقاس السؤال بأدق ميزان بياني وعرفاني؛ مما برهن عملياً على اهتدائها وفطنتها.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحرير القائل في {وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ}:
محاكمة سياقية ونقدية:
القول بأنه من كلام سليمان (وهو الراجح): سياقه الامتنان لله والتحدث بنعمته؛ أي نحن أصحاب السبق في العلم والإسلام والنبوة قبل أن تأتي هذه الملكة وقبل أن تؤتى علمها؛ فلا عجب أن نسبقها ونحضر عرشها؛ وهذا يقطع أي توهم لتعاظم شأن الملكة وذكائها أمام الحاضرين؛ فالأصل هو فضل الله على سليمان.
القول بأنه من كلام بلقيس: أي قد علمنا صدق نبوتك بالهدهد والكتاب ورد الهدية من قبل هذه المعجزة، وجئنا مسلمين منقادين؛ وهذا وجه حسن لكن الأول أليق بمقام النبوة ورعاية السياق بعد التعجيب من جوابها.
قال علماء البلاغة: لو قالت "هو" لكانت مجازفة لأنها تركته باليمن، ولو قالت "ليس هو" لكانت عمياء عن دلائله البينة؛ فقولها {كَأَنَّهُ هُوَ} أعلى مراتب الفصاحة والتحري والصدق والإنصاف.
تدبر بلاغة التحفظ: عدم التسرع في إطلاق الأحكام القطعية في مواقف الشبهة والالتباس سمة العقلاء والحكماء.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الإنصاف والاعتراف بذكاء الخصم وقدراته:
الإسلام لا يبخس الناس أشياءهم، وسليمان عليه السلام أبرز ذكاء بلقيس واستمع إلى جوابها بإنصاف وتقدير.
رد الفضل لله دائماً: كلما تفوق الإنسان أو أظهر مهارة وجب عليه أن يستحضر: {وَأُوتِينَا الْعِلْمَ... وَكُنَّا مُسْلِمِينَ} راداً الفضل إلى الله وحده.