قال الطبري في "جامع البيان" (19/497)جامع البيانالطبري١٩/٤٩٧: "يقول تعالى ذكره: وإن هذا القرآن لبيان من الضلالة، ورشد لمن اتبعه وعمل بما فيه، ورحمة يرحم بها ربهم أهل الإيمان به، فينيلهم بها في الدنيا التوفيق والسداد، وفي الآخرة الخلود في جنات النعيم".
وأكد السعدي في "تفسيره" (ص 609)مصدر غير محدد٦٠٩: خصّ المؤمنين بالهدى والرحمة؛ لأنهم هم الذين انتفعوا به، فاهتدت به قلوبهم من الشك إلى اليقين، ومن الجهل إلى العلم، ونالوا برحمته السعادة في الدارين؛ بخلاف غيرهم ممن أعرض فعاد عليه القرآن بالخسار والعمى.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات:
{هُدًى}: الدلالة الموصلة إلى البغية برفق ولطف، وهو هداية الإرشاد والتوفيق.
{رَحْمَةٌ}: رقة وانعطاف تقتضي الإحسان إلى المرحوم بجلب النفع له ودفع الضر عنه.
الإعراب:
{وَإِنَّهُ}: الواو عاطفة، إن حرف توكيد ونصب، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسم إن.
{لَهُدًى}: اللام المزحلقة للتوكيد، هدى خبر إن مرفوع بضمة مقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر.
{وَرَحْمَةٌ}: معطوف على هدى مرفوع بالضمة الظاهرة.
{لِّلْمُؤْمِنِينَ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف نعت لـ{رَحْمَةٌ}، أو متعلقان بهدى ورحمة على سبيل التنازع.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه النظم:
لما بيّن في الآية السابقة وظيفته العامة لجميع الناس في فصل النزاع والحكم بين بني إسرائيل، بيّن في هذه الآية وظيفته الخاصة التي يختص بها من آمن به؛ وهي الهداية التفصيلية التي تنير البصيرة، والرحمة التي تغمر النفس والعمل والجزاء.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تخصيص المؤمنين بالهدى مع كونه هدى للناس عامة:
محاكمة التوفيق بين النصوص:
القرآن في آية البقرة {هُدًى لِّلنَّاسِ}، وهنا {لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ}؛ فالأول هدى دلالة وبيان وإرشاد عام لكل مكلف، والثاني هدى انتفاع وتوفيق وقبول وعمل؛ فالرحمة والاهتداء الحقيقي لا يحصلان إلا لمن فتح قلبه للإيمان؛ أما المعرض فهو في عمى وضلال باختياره وإعراضه.