أخرج الطبري (19/510)مصدر غير محدد١٩/٥١٠ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في قوله تعالى: {أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا}: "أي مستقراً ثابتاً للخلائق لا تميد بهم ولا تضطرب، {وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا}: وشق بين فجاجها وأرجائها أنهاراً عذبة جارية لسقياهم ومنافعهم، {وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ}: جبالاً ثوابت تثبت الأرض لئلا تكفأ بأهلها، {وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا}: مانعاً من قدرته يفصل بين الماء العذب الفرات والماء الملح الأجاج فلا يختلط أحدهما بالآخر ولا يبغي عليه، {أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ}: فعل شيئاً من ذلك فيُشرك به؟! {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}: جهلة لا علم لهم بعظمة الله وتوحيده".
وقال ابن كثير (6/196)مصدر غير محدد٦/١٩٦: "يذكر تعالى دلائل قدرته في تمهيد الأرض وجعلها كفة للأحياء، وإرساء الجبال، وتفجير الأنهار، وفصل البحرين (العذب والمالح) ببرزخ خفي وحاجز مائي محكم يمنع طغيان أحدهما على الآخر؛ وكل ذلك يدل على انفراد الله بالربوبية واستحقاقه للعبادة وحده".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{قَرَارًا}: استقراراً وثباتاً وسكوناً؛ يُقال: قرّ في مكانه إذا ثبت ولم يتزعزع.
{خِلَالَهَا}: جمع خَلل، وهو الموضع والمنفرج بين الشيئين؛ أي وسط ديارها ومسالكها.
{رَوَاسِيَ}: جمع راسية، وهي الجبال الثوابت الراسخة في أعماق الأرض كالأوتاد.
{حَاجِزًا}: فاصلاً ومانعاً يحجز بين البحر المالح والنهر العذب فلا يفسد أحدهما الآخر.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{أَمَّن}: "أم" حرف عطف وإضراب، "مَنْ" موصول مبتدأ وخبره محذوف.
{جَعَلَ}: فعل ماض، والفاعل مستتر تقديره هو، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{الْأَرْضَ}: مفعول به أول منصوب بالفتحة.
{قَرَارًا}: مفعول به ثانٍ لـ "جعل" منصوب بالفتحة الظاهرة (أو حال).
الفصل البيئي والمائي المحكم: {وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا}.
فانتظم خلق الأرض في أبهى صور الإتقان المعيشي والجيولوجي.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الإعجاز العلمي في استقرار الأرض والحاجز بين البحرين:
محاكمة علمية جيولوجية وبحرية:
جعل الأرض {قَرَارًا}: مع دورانها السريع حول نفسها وحول الشمس وحركتها في المجرة، جعل الله جاذبيتها وغلافها الجوي متزناً متناسقاً بحيث لا يشعر الإنسان بأدنى اضطراب، بل يستقر عليها ويبني حضارته بأمان.
{حَاجِزًا}: كشف علم المحيطات الحديث أن بين مياه الأنهار العذبة ومياه البحار المالحة منطقة خلط تسمى "البرزخ المائي وميل الكثافة والانحدار الملحي" لها كثافة وملوحة خاصة تمنع تداخل الملوحة إلى النهر وتمنع فقدان العذوبة، وتحفظ الحياة البحرية والنهرية في توازن دقيق ومحكم؛ فمن علم محمداً ﷺ هذه الدقائق البحرية قبل أربعة عشر قرناً إلا رب العالمين؟!