أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (19/509)جامع البيانالطبري١٩/٥٠٩: "يقول تعالى ذكره: ألم ير هؤلاء المكذبون بآياتنا العادلون بربهم الأوثان والأنداد، أنا جعلنا الليل لتهدأ فيه حركاتهم ويسكنوا فيه من نصب التصرف والكدّ في المعاش، والنهار مبصراً يبصرون فيه شؤون معايشهم وتصرفهم، أليس الذي دبر ذلك وقدره بقادر على أن يبعثهم ويعاقبهم على كفرهم؟! إن في ذلك لدلالات وحججاً واضحة لقوم يصدقون بوحدانية الله وربوبيته".
وذكر ابن كثير في "تفسيره" (6/213)مصدر غير محدد٦/٢١٣: نبّههم سبحانه على كمال قدرته وتفرده بالخلق والتدبير بآية الليل والنهار الدالة على عظمته ورأفته بخلقه وإحياء الموتى بعد فنائهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات:
{لِيَسْكُنُوا فِيهِ}: السكون ضد الحركة؛ أي ليهدأوا من التعب والمشقة وتستريح أبدانهم وقواهم.
{مُبْصِرًا}: مجاز عقلي؛ أي مضيئاً تبصر فيه الأشياء ويتمكن الناس من السعي فيه.
{لَآيَاتٍ}: دلائل وبراهين عظمى على كمال التوحيد والقدرة والرحمة.
الإعراب:
{أَلَمْ}: الهمزة للاستفهام التقريري التعجيبي، لم حرف نفي وجزم وقلب.
{يَرَوْا}: مضارع مجزوم بحذف النون، والواو فاعل.
{أَنَّا}: أن واسمها (نا المدغمة).
{جَعَلْنَا}: فعل وفاعل، والجملة خبر أن، والمصدر المؤول من أن واسمها وخبرها سد مسد مفعولي رأى العلمية.
{اللَّيْلَ}: مفعول به أول لجعل.
{لِيَسْكُنُوا}: اللام لام التعليل، يسكنوا مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام بحذف النون، والمصدر المؤول في محل جر باللام متعلق بـ{جَعَلْنَا}.
{فِيهِ}: متعلقان بـ{يَسْكُنُوا}.
{وَالنَّهَارَ}: معطوف على الليل منصوب.
{مُبْصِرًا}: مفعول به ثان لجعل أو حال مقدرة.
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب. {فِي ذَٰلِكَ}: جار ومجرور خبر إن مقدم.
{لَآيَاتٍ}: اللام المزحلقة، آيات اسم إن مؤخر منصوب بالكسرة لأنه جمع مؤنث سالم.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
العودة إلى البراهين الكونية المشهودة:
بعد أن ساق لهم مشاهد القيامة وأهوال الحشر والتقريع، عاد ليعرض عليهم آية يومية مشهودة يشاهدونها بأعينهم في كل أربع وعشرين ساعة؛ وهي تعاقب الليل والنهار؛ فمن يشهد موت الحركة في الليل بالسكون والنوم ثم بعثها بالصباح والإبصار كيف يستبعد حشر الأجساد وبعث الأموات؟!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الإعجاز الحيوي والكوني في دورة الليل والنهار:
محاكمة علمية وطبية:
كشفت الأبحاث العلمية في علم وظائف الأعضاء عن الساعة البيولوجية الداخلية للإنسان، وأن الظلام في الليل يفرز هرمونات مهدئة تصلح الخلايا التالفة وتهدئ الأعصاب {لِيَسْكُنُوا فِيهِ}، بينما يوقظ الضوء في النهار نشاط الجسد وهرمونات الحيوية والسعي {وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا}؛ فلو كان الليل سرمداً أو النهار سرمداً لهلكت الحياة؛ فمن قدر هذا النظام المتناغم الدقيق إلا إله حكيم رحيم؟!
قال: {وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا} ولم يقل "مُبْصَراً فيه"؛ فأسند الإبصار إلى النهار مجازاً عقلياً مبالغة في شدة ضيائه ووضوحه حتى كأن النهار نفسه غدا كائناً يبصر.
المقابلة البديعية اللطيفة:
مقابلة بين الليل والنهار، وبين السكون والحركة المشروطة بالإبصار.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
شكر نعمة الراحة والنشاط:
استشعار فضل الله في تنظيم أوقات الإنسان بين كد وعمل في النهار وراحة وسكن في الليل، واستثمار النهار في طاعة الله وكسب الحلال، وتجنب السهر العابث الذي يفسد الفطرة ويضيع صلاة الفجر.
دوام التفكر في الآيات الكونية:
المؤمن ينظر إلى تقلب الزمان بعين العبرة والإيمان، فيرى في كل فجر تجديداً للبعث وفي كل مساء تذكرة بالموت.