روى البخاري في "صحيحه" (كتاب المغازي، باب قتل أبي جهل، برقم 3976)مصدر غير محددحديث رقم ٣٩٧٦ ومسلم (برقم 2874)مصدر غير محددحديث رقم ٢٨٧٤ من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: "وقف النبي ﷺ على قليب بدر فقال: هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ وقال: إنهم الآن يسمعون ما أقول، فذُكر ذلك لعائشة رضي الله عنها فقالت: إنما قال النبي ﷺ: إنهم الآن ليعلمون أن ما كنت أقول لهم حق، ثم قرأت: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَىٰ}".
ووجّه أئمة أهل السنة والجماعة كابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (24/362)مجموع الفتاوىابن تيمية٢٤/٣٦٢ وابن كثير في "تفسيره" (6/209)مصدر غير محدد٦/٢٠٩ هذا الموضع: أن الآية ضرب مثل للكفار الذين ماتت قلوبهم عن سماع الهدى سماع إجابة وقبول؛ فشبههم بالموتى في القبور الذين لا ينتفعون بما يتلى عليهم، وشبههم بالصم الذين إذا تولوا مدبرين لم يدركوا الصوت؛ فالمقصود سماع الفهم والانتفاع لا مجرد إدراك الصوت الحسي الذي قد يحصل للميت في مواضع خاصة دلت عليها السنة كقليب بدر وقرع نعال المشيعين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات:
{الْمَوْتَىٰ}: جمع ميت، وهو من فارقته الحياة، واستعير هنا للكافر المعاند الذي عدمت روحه وبصيرته حياة الإيمان.
{الْمَوْتَىٰ}: مفعول به منصوب بفتحة مقدرة على الألف.
{وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ}: معطوف على الجملة الأولى، الصم مفعول به أول، والدعاء مفعول به ثان.
{إِذَا}: ظرف لما يستقبل من الزمان متعلق بـ{تُسْمِعُ}.
{وَلَّوْا}: فعل ماض مبني على الضم المقدر، والواو فاعل، والجملة مضاف إليها.
{مُدْبِرِينَ}: حال منصوبة بالياء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه الاتصال والتسلية:
لما أمره بالتوكل وأكد أنه على الحق المبين، بيّن له سر عدم استجابة هؤلاء المعاندين؛ لئلا يضيق صدره بإنكارهم ولا تذهب نفسه عليهم حسرات؛ فالعيب في محال قلوبهم الميتة وأسماعهم الصماء، وليس في بلاغه ونوره.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
مسألة سماع الموتى بين النفي والإثبات:
محاكمة حديثية وعقدية جامعة:
وقع خلاف مشهور بين الصحابة؛ فعائشة رضي الله عنها ردت ظاهر حديث القليب بهذه الآية وتأولت الحديث على العلم؛ بينما أثبت جمهور الصحابة كابن عمر وأبي طلحة وعمر بن الخطاب سماع الموتى في قليب بدر بنص النبي ﷺ الصريح: "ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، غير أنهم لا يستطيعون أن يجيبوا".
التحقيق والجمع عند المحققين من أهل السنة: أن الأصل في الموتى البرزخيون انقطاع حواسهم عن الدنيا {وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ}، ولكن الله تعالى قد يسمعهم في أوقات وأحوال خاصة بمشيئته وخوارق قدرته (كسماع قليب بدر وسماع قرع النعال)، والمنفي في الآية بالاتفاق هو "سماع الانتفاع والقبول والعمل"؛ فالكافر كالميت عاجز عن تدارك الإيمان بعد فوات أوانه.
قمة البلاغة؛ فالأصم قد يفهم بالإشارة إذا كان مواجهاً للناظر إليه، فإذا أدار ظهره وأدبر انقطعت عنه كل وسائل الإدراك والإفهام، فصار تبليغه في حكم المستحيل عادة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
حدود مسؤولية الداعية:
على الداعية البلاغ المبين والنصح الصادق، وليس عليه هداية القلوب ولا تحويل الموتى؛ فهداية التوفيق بيد مقلب القلوب وحده.
تفقد حياة القلب:
الخوف والوجل من موات القلوب؛ فالقلب إذا رانت عليه الذنوب والمعاصي صار كالميت لا تؤثر فيه المواعظ ولا تزجره الآيات.