روى الطبري في "جامع البيان" (19/508)جامع البيانالطبري١٩/٥٠٨: "يقول تعالى ذكره: وحق عليهم العذاب ونزل بهم بأس الله وسخطه بسبب ظلمهم وشركهم واعتدائهم في الدنيا، فهم لا ينطقون بحجة ولا يعتذرون؛ لأنه لا عذر لهم ولا حجة تثبت لهم".
وقال قتادة في الآية: "خرسوا يومئذ فلم يتكلموا، وبطلت حججهم، وانقطعت معاذيرهم لما رأوا من صدق وعد الله ووعيده".
وأكد ابن كثير (6/213)مصدر غير محدد٦/٢١٣: بهتوا وانقطعت حجتهم كما قال تعالى: {هَٰذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ * وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات:
{وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِم}: لزمهم العذاب وحق عليهم القضاء النهائي بالخلود في النار.
{بِمَا ظَلَمُوا}: بسبب ظلمهم المستمر بإشراكهم وتكذيبهم وطغيانهم؛ والباء للسببية و"ما" مصدرية؛ أي بظلمهم.
{وَوَقَعَ}: الواو عاطفة، وقع فعل ماض مبني على الفتح.
{الْقَوْلُ}: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
{عَلَيْهِم}: متعلقان بـ{وَقَعَ}.
{بِمَا}: الباء حرف جر سببية، ما مصدرية.
{ظَلَمُوا}: فعل وفاعل، والمصدر المؤول في محل جر بالباء متعلق بـ{وَقَعَ}.
{فَهُمْ}: الفاء سببية عاطفة، هم مبتدأ.
{لَا يَنطِقُونَ}: لا نافية، ينطقون مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النتيجة الحتمية للمساءلة:
لما وبخهم الله في الآية السابقة بالسؤال التقريعي: {أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي} ولم يجدوا جواباً ولا شبهة يعتصمون بها، سجّل عليهم مشهد الإفلاس والخرس المطلق {فَهُمْ لَا يَنطِقُونَ}؛ فكان هذا الختام مناسباً تماماً لعجزهم التام وانقطاع باطلهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
الجمع بين آيات نطق الكفار وسكوتهم في القيامة:
محاكمة التوفيق بين الظواهر القرآنية:
ورد في القرآن مواضع تنفي نطقهم كقوله: {فَهُمْ لَا يَنطِقُونَ}، ومواضع أخرى تثبت نطقهم واعتذارهم وجدالهم كقوله: {وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} وقوله: {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا}؛
والجمع التحقيقي عند أئمة التفسير كابن عباس والحسن والطبري: أن يوم القيامة يوم طويل مقداره خمسون ألف سنة فيه مواقف ومقامات شتى؛ ففي بعض المواطن ينطقون ويحلفون كذباً، فإذا ختم الله على أفواههم وشهدت عليهم جوارحهم أبلسوا وخرسوا وبُهتوا، وفي مواطن الهيبة وسماع التقريع يعتريهم العجز المطلق فلا ينطقون بحجة مقبولة ولا عذر ينفعهم.
استعارة تشبيهية تجسد العذاب كأنه جرم ثقيل صلب سقط عليهم من علوّ فأحاط بهم ودقّ كبرياءهم؛ فلا يستطيعون له دفعاً ولا فراراً.
الفاء في {فَهُمْ لَا يَنطِقُونَ}:
إفادة الترتيب والسببية؛ فالصمت والخرس نشأ فور نزول العذاب ووضوح الحق، فصاروا في حيرة وهلع قيد ألسنتهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
شؤم الظلم وعاقبته:
الظلم أعظم أسباب الهلاك والبوار؛ فمن ظلم نفسه بالشرك والمعاصي في الدنيا أسكت الله حجته وأخزاه يوم يقوم الأشهاد.
اغتنام نعمة النطق في قول الحق:
اللسان نعمة كبرى من الله؛ فليستعمله العبد في التسبيح والدعوة والشهادة بالحق والاعتذار من الذنوب في دار المهلة، قبل أن يأتي يوم تسلب فيه قدرة الاعتذار ويخرس كل لسان باطل.