أخرج الطبري (19/514)مصدر غير محدد١٩/٥١٤ عن ابن عباس وقتادة ومجاهد: "أي أهذه الأوثان خير أم الذي يهديكم ويرشدكم في مسالككم ومسيركم إذا ضللتم في ظلمات البر والبحر بما جعل لكم من معالم الأرض والنجوم الهادية؟! {وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ}: يرسل الرياح اللواقح تبشر بالماء والمطر وسحب الخير؛ {أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ}: صنع شيئاً من ذلك أو هداكم في مضائقكم؟! {تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}: تنزه وتقدس وعلا شأنه عن شركهم وإفكهم".
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وأبو بكر: {نُشُرًا} بالنون والضم أو الإسكان، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: {بُشْرًا} بالباء المضمومة جمع بشير.
وقال ابن كثير (6/197)مصدر غير محدد٦/١٩٧: "ينبه على نعمة الهداية الحسية بالنجوم والجبال في مهالك الصحارى ومتاهات البحار اللجية، ونعمة الرياح المبشرة بالغيث؛ وكيف يقابل الجاحدون هذه النعم بعبادة الجماد الذي لا يهدي ولا يرزق".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{يَهْدِيكُمْ}: يدعوكم ويرشدكم إلى معالم الطرق ومخارج النجاة في الأسفار.
{ظُلُمَاتِ}: جمع ظلمة، وتتناول ظلمة الليل وظلمة الغيوم وظلمة التيه وتخبط السبل.
{بُشْرًا}: اسم جمع أو جمع بشير، وهي الرياح التي تسبق المطر وتنشره وتبشر به.
{رَحْمَتِهِ}: استعيرت الرحمة هنا للمطر والغيث الذي يحيي الله به موات الأرض.
{تَعَالَى}: فعل ماض يفيد المبالغة في العلو والتنزه والتقدس عن النقائص والشركاء.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{أَمَّن}: عاطف وإضراب، موصول مبتدأ وخبره محذوف.
{يَهْدِيكُمْ}: فعل مضارع مرفوع، والفاعل مستتر، والكاف مفعول به، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{فِي ظُلُمَاتِ}: متعلق بـ {يَهْدِيكُمْ}، وهو مضاف.
{الْبَرِّ}: مضاف إليه مخفوض.
{وَالْبَحْرِ}: معطوف مخفوض.
{وَمَن}: الواو عاطفة، "من" موصول معطوف على "من" الأولى.
{يُرْسِلُ}: فعل مضارع، والفاعل مستتر، والجملة صلة.
{الرِّيَاحَ}: مفعول به منصوب بالفتحة.
{بُشْرًا}: حال منصوبة بالفتحة من "الرياح" (أو مفعول لأجله).
{بَيْنَ يَدَيْ}: ظرف مكان متعلق بـ {يُرْسِلُ} أو بمحذوف حال، ويدي مضاف إليه مجرور بالياء لأنه مثنى، وهو مضاف.
{رَحْمَتِهِ}: مضاف إليه، والهاء مضاف إليه.
{أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ}: إنكار، مبتدأ وخبر.
{تَعَالَى}: فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الألف للتنزه.
{اللَّهُ}: لفظ الجلالة فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
{عَمَّا}: عن حرف جر، "ما" موصولة أو مصدرية في محل جر متعلق بـ {تَعَالَى}.
{يُشْرِكُونَ}: صلة الموصول، وجملة التنزيه مستأنفة في مقام التمجيد.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وتغيير ختام الآية هنا بالتعقيب التنزيهي: {تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}؛ للدلالة على علو كبرياء الله وارتفاعه عن أن تلحق به أوهام الشرك والتعطيل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
آيات النجوم والملاحة الفلكية هداية ربانية:
محاكمة علمية وسفرية:
كيف يهدي الله الناس في ظلمات البر والبحر؟
بخلق النجوم المنظمة في أبراجها الفلكية كالنجم القطبي والثريا وبنات نعش، ووضع معالم التضاريس، وإيداع حاسة الاتجاه في بني آدم، ثم إلهام العقل لاختراع البوصلة وعلوم الملاحة الجوية والبحرية.
فكل هذه القوانين الفيزيائية والفلكية مخلوقة ومسخرة بأمر الله، ولولاها لتاهت السفن في لجج البحار وهلك المسافرون في متاهات القفار؛ فمن هدى إلى هذا كله إلا الله الواحد القهار؟!
استعارة تمثيلية مكنية؛ صور الرحمة (المطر) كملك عظيم يقدم أمامه البشراء والرسل (الرياح) ليزفوا البشرى للناس بقدومه وانهمار عطائه؛ مما يفيض على النفس فرحاً ورجاءً.
الجمع بين {الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} للاستيعاب الجغرافي لكل حركة المسافرين في الأرض.
تدبر أثر الهداية: من هداك في ظلمات السفر الحسي قادر على أن يهدي قلبك في ظلمات الشبهات والفتن الفكرية إذا التجأت إليه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
شكر نعمة الهداية والتيسير في السفر:
استحباب دعاء السفر واستشعار معية الله الهادي عند ركوب الطائرات والسفن والسيارات؛ فالهادي الحقيقي هو الله.
التفاؤل برحمة الله: كما تأتي الرياح مبشرة بالغيث، فإن ألطاف الله تأتي مبشرة بانفراج الأزمات بعد اشتداد الكروب.