أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (19/496)جامع البيانالطبري١٩/٤٩٦ بسنده عن قتادة في قوله: {إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} قال: "إن بني إسرائيل اختلفوا فصاروا أحزاباً وفرقاً، فجاء هذا القرآن فقصّ عليهم أمر دينهم الذي اختلفوا فيه، فبيّن لهم ما اختلفوا فيه وأوضح الحق".
وذكر ابن كثير في "تفسيره" (6/208)مصدر غير محدد٦/٢٠٨: أي يخبرهم بالحق الذي اختلفوا فيه؛ كاختلافهم في عيسى بن مريم عليه السلام، فاليهود افتروا عليه وعلى أمه بهتاناً عظيماً، والنصارى غلوا فيه حتى ادعوا ألوهيته، فجاء القرآن بالقول الفصل العدل أنه عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه.
وبيّن القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (13/235)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١٣/٢٣٥: أن هذا من دلائل نبوة محمد ﷺ؛ إذ كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب، فأخبرهم بأسرار كتبهم ودقائق خلافاتهم التي لا يعلمها إلا أحبارهم الكبار، مما ألزمهم الحجة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات:
{يَقُصُّ}: القصّ أصله تتبع الأثر شيئاً بعد شيء، واستعمل في نقل الأخبار الصادقة المرتبة؛ لأن المتكلم يتبع الوقائع كما وقعت بدقة متناهية دون زيادة ولا نقصان.
{أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}: أكثر الأمور التي وقع فيها التنازع العقدي والتشريعي؛ كمسائل التوحيد، وأمر المسيح، وحقيقة البعث، والتحريف الواقع في التوراة والإنجيل.
الإعراب:
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب. {هَٰذَا}: اسم إشارة مبني في محل نصب اسم إن.
{الْقُرْآنَ}: بدل من اسم الإشارة منصوب بالفتحة الظاهرة.
{يَقُصُّ}: فعل مضارع مرفوع، والفاعل مستتر تقديره هو، والجملة في محل رفع خبر إن.
{عَلَىٰ بَنِي}: جار ومجرور متعلق بـ{يَقُصّ}، وبني مضاف مجرور بالياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم. {إِسْرَائِيلَ}: مضاف إليه مجرور بالفتحة لمنعه من الصرف للعلمية والعجمة.
{أَكْثَرَ}: مفعول به منصوب بـ{يَقُصّ}. {الَّذِي}: اسم موصول مضاف إليه.
{هُمْ}: ضمير منفصل مبتدأ. {فِيهِ}: متعلقان بـ{يَخْتَلِفُونَ}. {يَخْتَلِفُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه الاتصال:
بعد أن حاجّ القرآن المشركين في التوحيد والقدرة المطلقة وعلم الغيب في الآيات السابقة، انتقل إلى إقامة الحجة على أهل الكتاب الذين يسكنون جوار العرب في يثرب وأطراف الجزيرة، وكان مشركو مكة يستفتونهم في نبوة محمد ﷺ؛ فأوضح الله أن هذا القرآن هو المهيمن والحكم العدل على خلافات بني إسرائيل المتوارثة، مما يقطع تآمر المشركين معهم ويؤكد صدق الرسالة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
رد شبهة اقتباس القرآن من أهل الكتاب:
محاكمة تاريخية وعقلية:
يزعم المستشرقون أن النبي ﷺ أخذ قصص القرآن من أحبار اليهود ورهبان النصارى؛ والآية تدحض هذا التخرص من وجوه قاطعة:
القرآن لم يأت موافقاً لما في أيديهم من أساطير وتناقضات محرفة، بل جاء مصححاً وناسخاً وحاكماً عليهم ومبيناً لتحريفهم {يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}؛ فكيف يتتلمذ تلميذ على أساتذة ثم يحكم عليهم ويخطئهم في أصول دينهم ويخضعون لحجته؟!
لو كان نقلاً عنهم، لما تضمن كشف ما كتموه من صفة النبي ﷺ وتحريفهم لنصوص التوراة والإنجيل؛ فالمصحّح المهيمن يستحيل أن يكون تابعاً مقلداً.
الإشارة للقريب الحاضر المحسوس المتلو بين أيديهم تنبيهاً على عظمته ورفعته؛ فهو بينكم حاضر تسمعونه وتتأملون حججه الباهرة.
التعبير بـ {أَكْثَرَ} دون الكل:
إنصاف قرآني بديع في التعبير؛ فالقرآن لم يستغرق كل جزئية دقيقة من فروعات خلافاتهم التاريخية التي لا ينبني عليها عمل أو عقيدة، بل ركز على "الأكثر" أهمية وخطراً؛ وهو ما يتصل بالتوحيد والرسالات وأصول الإيمان، مما يعلم العقل المسلم التمييز بين الأصول الكبرى والفروع الثانوية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحكيم الوحي لفض النزاعات:
القرآن هو المرجع المعصوم لإنهاء الخلاف وتوحيد الكلمة؛ والواجب على الأمة عند التنازع الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ بفهم سليم وقلب منقاد.
الوجدان الإيماني:
الامتلاء بالثقة المطلقة في هيمنة القرآن وصيانته، واستشعار كرامة هذه الأمة التي جعل الله كتابها شاهداً ومهيمناً على جميع الكتب السابقة.