أخرج الطبري (19/431)مصدر غير محدد١٩/٤٣١ عن قتادة في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ} قال: "عاقبهم الله على كفرهم بالآخرة بأن زين لهم قبائح أعمالهم فرأوها حسنة، فهم يتخبطون في الضلالة حيارى مترددين لا يبصرون رشدهم".
وروى ابن أبي حاتم (8/2762)مصدر غير محدد٨/٢٧٦٢ عن الحسن ومجاهد: "{يَعْمَهُونَ}: يترددون في الضلالة والكفر، والعمه: عمى القلب والبصيرة".
وقال ابن كثير (6/174)مصدر غير محدد٦/١٧٤: "أي جازيناهم على تكذيبهم بالبعث واستبعادهم له بأن حسنا لهم ما هم فيه من الضلال والقبائح، فاستحسنوا الباطل وظنوا أنهم على شيء، فهم يتسكعون في حيرتهم وضلالهم، وهذا من باب الخذلان والإملاء".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{زَيَّنَّا}: التزيين جعل الشيء يبدو حسناً بهيجاً في العين أو النفس، ونسبته إلى الله هنا نسبة خلق وتقدير وجزاء على اختيارهم الباطل.
{أَعْمَالَهُمْ}: ما يقترفونه من السيئات والشرك والمظالم.
{يَعْمَهُونَ}: من العمه، وهو التردد والتحير في الضلالة مع عمى البصيرة وفقدان التمييز بين الحق والباطل؛ والفرق بين العمى والعمه: أن العمى في البصر والبصيرة معاً، والعمه لا يكون إلا في البصيرة والرأي.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب مشبه بالفعل.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني في محل نصب اسم إن.
{لَا يُؤْمِنُونَ}: "لا" نافية، {يُؤْمِنُونَ} فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{بِالْآخِرَةِ}: جار ومجرور متعلق بـ {يُؤْمِنُونَ}.
{زَيَّنَّا}: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بنا الفاعلين، و"نا" ضمير في محل رفع فاعل، والجملة في محل رفع خبر إن.
{لَهُمْ}: متعلق بـ {زَيَّنَّا}. {أَعْمَالَهُمْ}: مفعول به منصوب، والهاء مضاف إليه.
{فَهُمْ}: الفاء سببية أو عاطفة، {هُمْ} ضمير منفصل في محل رفع مبتدأ.
{يَعْمَهُونَ}: فعل مضارع مرفوع، والواو فاعل، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها مفرعة عليها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة النفسية الكبرى بين فريقي الهدى والضلال:
لما ذكر صفات المؤمنين الموقنين بالآخرة وأثر ذلك في استقامتهم وبشارتهم في الآيتين السابقتين: {هُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ... وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ}.
قابلهم هنا بذكر الصنف المقابل الذين أنكروا الآخرة، فكانت النتيجة الحتمية لانعدام يقينهم أن سقطوا في فخ التزيين والعمه والضلال المركب.
وهذا من أرفع فنون النظم في إظهار ثمار العقيدة وثمار جحودها على النفس الإنسانية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحرير نسبة التزيين إلى الله تعالى ودفع شبهة الجبر:
الشبهة: كيف ينسب الله تزيين السيئات إليه {زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ} ثم يعاقبهم عليها؟!
المحاكمة العقدية لأهل السنة والجماعة:
تزيين السيئات ينسب إلى الشيطان بالوسوسة والإغواء كما قال تعالى في نفس السورة: {وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ}، وينسب إلى النفس الأمارة بالسوء بالشهوة والهوى.
وأما نسبته إلى الله تعالى هنا: فهو من باب سنن الجزاء والعقوبة القدَرية على كفرهم واختيارهم الفاسد؛ فمن أعرض عن الحق ورفض الإيمان بالآخرة عاقبه الله بسلب التوفيق وخلى بينه وبين هواه وشيطانه، وخلق فيه استحسان القبيح جزاء وفاقاً {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ}. فالعبد اختار الكفر أولاً، فعاقبه الله بالعمه ثانياً، وحاشا لله أن يظلم أحداً.