أخرج الطبري (19/528)مصدر غير محدد١٩/٥٢٨ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في قوله تعالى: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ}: "يقول تعالى لنبيه: وإن ربك يا محمد ليعلم ما تخفي صدور هؤلاء المشركين وتستره ضمائرهم من الحقد، والعداوة، والمكر بك وبالمؤمنين، وما يظهرونه بألسنتهم وجوارحهم من الاستهزاء والطعن؛ لا يخفى عليه شيء من ذلك، وسيجازيهم عليه أتم الجزاء".
وقال ابن كثير (6/199)مصدر غير محدد٦/١٩٩: "أي يعلم السرائر والضمائر كما يعلم الظواهر؛ فالسر عنده علانية، والضمير عنده مشاهد، لا يغيب عن علمه مثقال ذرة، وهو تحذير ووعيد للمنافقين والمشركين الذين يظهرون خلاف ما يبطنون".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{تُكِنُّ}: الإكنان هو الإخفاء والستر والضم في مكنون الشيء وباطنه؛ يُقال: أكنّ الشيء في صدره إذا كتمه وستره وغيبه عن الأعين.
{صُدُورُهُمْ}: القلوب التي في الصدور ومستودع النوايا والسرائر.
{رَبَّكَ}: اسم إن منصوب بالفتحة، والكاف مضاف إليه.
{لَيَعْلَمُ}: اللام المزحلقة للتوكيد، {يَعْلَمُ} فعل مضارع مرفوع بالضمة، والفاعل مستتر تقديره هو، والجملة الفعلية في محل رفع خبر إن.
{مَا}: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به لـ {يَعْلَمُ}.
{تُكِنُّ}: فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة.
{صُدُورُهُمْ}: فاعل مرفوع بالضمة، والهاء مضاف إليه، والميم للجمع، والجملة صلة الموصول لا محل لها، والعائد محذوف تقديره "تكنه".
{وَمَا يُعْلِنُونَ}: معطوف على الموصول الأول، وجملة يعلنون صلته.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تقديم المضمر على المظهر لبيان كمال الإحاطة:
قدّم {مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ} على {وَمَا يُعْلِنُونَ}؛ لأن الباطن أخفى وأعسر على مدارك البشر؛ فالبشر يعلمون الظواهر ويعجزون عن البواطن.
أما الله تعالى فيعلم السر وأخفى؛ فبدأ بذكر الخفي المكنون لإثبات كمال علمه وأنه يستوي عنده الغيب والشهادة.
وفيه تهديد مبطن للمشركين بأن ما يسرونه في خلواتهم من مكر وتآمر مكشوف عند الله وسيؤاخذهم به.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شمول العلم الإلهي للمشاعر والنوايا:
محاكمة عقدية ونفسية:
العلم الإلهي ليس مقتصراً على الأفعال المادية والأقوال المسموعة، بل ينفذ إلى صميم النوايا، والخواطر النفسية، ومكنونات الصدور التي لم يتلفظ بها اللسان ولم تترجم إلى عمل؛ كما قال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ}.
وهذا يقطع الطريق على المنافقين الذين يظنون أنهم بمواربة ألسنتهم يخدعون الله ورسوله.
تدبر مراقبة السرائر: من استيقن أن ربه يعلم ما تكنه نفسه استحيا أن يرى في قلبه غلاً أو حسداً أو حقداً أو كفراً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تطهير القلوب والسرائر قبل الظواهر:
المعيار الحقيقي عند الله هو طهارة القلب ونقاء السريرة: "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم"؛ فيجب العناية بالباطن كما نعتني بالظاهر.
طمأنينة المظلوم: يعلم المؤمن أن الله يرى مكر الظالمين وما يضمرونه من كيد، فتهدأ نفسه ويفوض أمره إلى العليم الخبير.