أخرج الطبري (19/439)مصدر غير محدد١٩/٤٣٩ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ}: قال: أدخل كفه في فتحة قميصه عند صدره، ثم أخرجها فإذا هي تلتمع نوراً ساطعاً يضيء الأفق كالشمس بياضاً من غير برص ولا آفة، فإذا أعادها رجعت إلى لونها الأول.
وأخرج ابن أبي حاتم والنسائي والترمذي وصححه عن صفوان بن عسال في حديث التسع آيات بينات: أنها الآيات المعجزات التي أُرسل بها موسى إلى فرعون وقومه؛ وهي: العصا، واليد، والسنون (القحط)، ونقص الثمرات، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم.
وقال ابن كثير (6/177)مصدر غير محدد٦/١٧٧: "قوله: {مِنْ غَيْرِ سُوءٍ} أي من غير برص ولا بهق ولا مرض؛ بل نور ساطع وضياء لامع يبهر الأبصار ويدل على كمال القدرة الإلهية، وهي الآية الثانية المقترنة بالعصا ضمن الآيات التسع الموجهة لقهر فرعون وقومه الفاسقين".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{جَيْبِكَ}: الجيب هو فتحة القميص أو الثوب التي يُدخل منها الرأس ويستقر عند الصدر، وليس هو الجيب المخصص للمال كما في العرف المعاصر.
{بَيْضَاءَ}: ذات بياض نوراني متلألئ ساطع.
{مِنْ غَيْرِ سُوءٍ}: السوء هنا هو المرض والآفة الجلدية المنفرة كالبرص والبهق؛ فنُفي ذلك لبيان كمال المعجزة وجمالها.
{تِسْعِ آيَاتٍ}: تسع براهين ومعجزات باهرات أُيد بها موسى في دعوته.
{فَاسِقِينَ}: الفسق هو الخروج عن طاعة الله وعن حدود الحق ومقتضى الفطرة السليمة.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{وَأَدْخِلْ}: الواو عاطفة، {أَدْخِلْ} فعل أمر مبني على السكون، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت.
{يَدَكَ}: مفعول به منصوب، والكاف مضاف إليه.
{فِي جَيْبِكَ}: جار ومجرور متعلق بـ {أَدْخِلْ}.
{تَخْرُجْ}: فعل مضارع مجزوم في جواب الأمر {أَدْخِلْ} وعلامة جزمه السكون، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي.
{بَيْضَاءَ}: حال منصوبة من الفاعل المستتر في "تخرج" وعلامة نصبها الفتحة (ممنوعة من الصرف لألف التأنيث الممدودة).
{مِنْ غَيْرِ سُوءٍ}: متعلق بمحذوف نعت لـ {بَيْضَاءَ} أو حال ثانية، وسوء مضاف إليه.
{فِي تِسْعِ آيَاتٍ}: متعلق بفعل محذوف تقديره "أُرسلت في تسع آيات" أو "اذهب في تسع آيات" (أو متعلق بمحذوف حال).
{إِلَىٰ فِرْعَوْنَ}: متعلق بالمحذوف المقدر "مرسلاً إلى فرعون".
{وَقَوْمِهِ}: معطوف على فرعون.
{إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ}: جملة تعليلية، إن واسمها، كان واسمها وخبرها، و{فَاسِقِينَ} نعت لقوماً منصوب بالياء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التقارن والازدواج بين الآية المروعة والآية المؤنسة:
الآية الأولى (العصا): كانت آية رهبة وقوة ومخافة وقهر تحولت إلى ثعبان يهتز كأنه جان.
الآية الثانية (اليد): كانت آية رقة وجمال ونور وضياء ساطع من غير سوء.
فاجتمع لموسى البرهانان: برهان القوة والردع، وبرهان النور والجمال، في توازن بديع يخاطب كوامن النفس البشرية ترغيباً وترهيباً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الاحتراز البياني القاطع {مِنْ غَيْرِ سُوءٍ}:
محاكمة نقدية لدفع التشويه: لو خرجت يده بيضاء دون هذا التقييد لأمكن للخصم فرعون وملئه أن يدعوا أنه أصيب بداء البرص والبرص علة جسدية معروفة.
فجاء التقييد الإلهي الحاسم {مِنْ غَيْرِ سُوءٍ} ليقطع لسان كل مفترٍ، مبيناً أن بياضها هو بياض النور الساطع المشع الذي لا دنس فيه ولا تشوه، بل يفيض نضارة وجلالاً.
جزم الفعل في جواب الأمر يفيد سرعة حدوث المعجزة وامتثالها التام لأمر الله الخالق؛ فبمجرد إدخال اليد تخرج في التو واللحظة بيضاء تتلألأ كفلقة قمر.
التعليل بـ {إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ}: يبين أن تسليط المعجزات التسع المزلزلة عليهم لم يكن تشهياً، بل كان علاجاً لفسقهم المتمرد واستكبارهم العاتي.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تنويع أساليب البلاغ والحجة:
على المصلح والداعية أن يتسلح بتنوع أدوات الإقناع: تارة بالحجة الدامغة القاطعة (كالعصا)، وتارة بالأسلوب الرفيق النير الأخاذ (كاليد البيضاء).
الفسق سبب الحرمان من الهداية: انغماس الأمم في الفسق والظلم يسد منافذ العقول، فلا تنفع معهم الآيات إلا بعد نزول العقاب الإلهي.