أخرج الطبري (19/468)مصدر غير محدد١٩/٤٦٨ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وسعيد بن جبير في قوله: {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ}: "قالت بلقيس لقومها: إني صانعة أمراً أختبر به هذا الملك؛ فإن كان ملكاً من ملوك الدنيا المحبين للدنيا رضي بالهدية والمال، وعلمنا كيف نرضيه ونكف بأسه عنا، وإن كان نبياً لم يقبل الهدية ولم يرض منا إلا بالإسلام؛ فأرسلت إليه بهدية عظيمة فيها لبنات الذهب، والجوهر، والوصائف والغلمان المتشابهين في اللباس لتختبر فراسته".
وروى ابن أبي حاتم (8/2788)مصدر غير محدد٨/٢٧٨٨ عن قتادة: "ما كان أعقلها في كفرها! قدمت الهدية بين يديها لتختبر صدق دعوى النبوة قبل التورط في حرب لا طاقة لها بها".
وقال ابن كثير (6/186)مصدر غير محدد٦/١٨٦: "هذا من ذكائها وحسن حيلتها؛ أرادت أن تصانع سليمان بهدية تليق بملكه وتستجلب بها مودته وتختبر بها مقصده؛ أهو طالب دنيا ومال فيكفيها المال مؤنة القتال، أم هو صاحب رسالة سماوية لا يثنيه عن دينه ذهب ولا فضة".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{مُرْسِلَةٌ}: اسم فاعل يفيد العزم والتحقق على إرسال الوفد الدبلوماسي بالهدية.
{بِهَدِيَّةٍ}: الهدية ما يُهدى ويُتحف به الشخص إكراماً وتودداً واستمالة لقلبه.
{بِمَ}: الباء حرف جر، و"ما" استفهامية حذفت ألفها لدخول حرف الجر عليها؛ أي بأي جواب وأي موقف يرجع رسلي.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{وَإِنِّي}: الواو عاطفة، إن حرف توكيد ونصب، والياء اسمها.
{مُرْسِلَةٌ}: خبر إن مرفوع بالضمة الظاهرة.
{إِلَيْهِم}: جار ومجرور متعلق بـ {مُرْسِلَةٌ}.
{بِهَدِيَّةٍ}: متعلق بـ {مُرْسِلَةٌ}.
{فَنَاظِرَةٌ}: الفاء عاطفة، معطوف على {مُرْسِلَةٌ} مرفوع بالضمة.
{بِمَ}: الباء حرف جر، و"ما" استفهامية في محل جر متعلق بـ {يَرْجِعُ}، والجار والمجرور متعلق بـ {نَاظِرَةٌ} لتضمنها معنى العلم والانتظار.
{يَرْجِعُ}: فعل مضارع مرفوع بالضمة.
{الْمُرْسَلُونَ}: فاعل مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، والجملة الاستفهامية سدت مسد مفعولي "ناظرة".
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال الدبلوماسي الذكي لاختبار النوايا:
بعد أن أقنعت قومها بمخاطر الحرب والاصطدام المجهول: {إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا}، طرحت عليهم البديل السياسي الذكي: {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ}.
وهذا يمثل إدارة ممتازة للأزمة؛ استطاعت به امتصاص حماسة الجند وتأجيل خيار الحرب، وكسب الوقت لاستطلاع طبيعة هذا الخصم النبوي العجيب.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الهدية ميزان التمييز بين الملوك والأنبياء:
محاكمة عقلية بالغة الفطنة:
علمت بلقيس أن الملوك طلاب دنيا وتوسع ومغانم وأموال، فإذا أُغدق عليهم الذهب والجوهر سال لعابهم وكفوا عن الغزو وصالحوا.
أما الأنبياء فهم دعاة رسالة وربانيون، لا يبيعون عقيدتهم ومبادئهم بكنوز الأرض كلها، ولا يرضون إلا بدخول الناس في دين الله وترك الشرك.
فكان اختبار الهدية أدق ميزان لمعرفة هوية سليمان الحقيقية قبل اتخاذ الموقف النهائي.
التعبير بصيغتي اسم الفاعل {مُرْسِلَةٌ... فَنَاظِرَةٌ}:
صيغة اسم الفاعل تدل على الثبوت وتحقق العزم وإحكام التدبير والمتابعة الدقيقة.
حذف ألف "ما" الاستفهامية في {بِمَ}: أسلوب عربي أصيل في تخفيف الاستفهام المقرون بحرف الجر.
تدبر الذكاء السياسي: الذكاء ليس في التصلب والصدام العشوائي، بل في امتلاك المبادرة وتجربة كافة الوسائل السلمية لكشف حقائق الأمور.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الاستعلاء على الإغراءات المادية:
الداعية الصادق يمتحنه الله بالإغراءات المادية والمناصب كما يمتحنه بالشدائد؛ وثباته على مبدئه هو البرهان الساطع على صدق نبوته ودعوته.
استخدام الهدية في موضعها: تهادوا تحابوا في العلاقات الإنسانية المشروعة، ولكن الحذر من الهدية التي تراد بها الرشوة والمداهنة في دين الله وحقوق المظلومين.