أخرج الطبري (19/505)مصدر غير محدد١٩/٥٠٥ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي في قوله تعالى: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا}: "أمطر الله عليهم حجارة من سجيل منضود مسومة عند ربك للمسرفين، قلبت قراهم وأمطرت عليهم الحجارة تتبع من شذ منهم في الآفاق، {فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ}: فبئس المطر مطر أولئك القوم الذين أنذرهم نبيهم عذاب الله فلم يلتفتوا لنذارته حتى باغتهم الهلاك المستأصل".
وروى ابن أبي حاتم (8/2802)مصدر غير محدد٨/٢٨٠٢ عن ابن عباس: "المطر في كتاب الله إذا أُطلق بغير قيد ولا قرينة رحمة غالباً ما يكون عذاباً كقوله: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا}، وإذا أُريد به الرحمة قيل: الغيث أو الماء".
وقال ابن كثير (6/194)مصدر غير محدد٦/١٩٤: "جعل عالي مدائنهم سافلها، وأمطر عليهم حجارة من سجيل مسومة، فكان مطراً مهلكاً مديداً خرب ديارهم ومحا أثرهم؛ فبئس المطر كان مطرهم بعد أن قامت عليهم الحجة بإنذار لوط عليه السلام".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{وَأَمْطَرْنَا}: الإمطار إنزال الشيء من السماء بكثرة وتتابع كالمطر، وغلب في القرآن استعمال "أمطر" للإنزال في مقام العذاب والنقمة بالحجارة، واستعمال "مطر" للرحمة.
{مَّطَرًا}: تنكير للتهويل؛ أي مطراً غريباً فظيعاً ليس من ماء، بل حجارة مشتعلة من سجيل.
{فَسَاءَ}: فعل جامد لإنشاء الذم، ضد نعم.
{الْمُنذَرِينَ}: الذين قامت عليهم الحجة بالإنذار وخوفوا بالعقاب فعاندوا حتى هلكوا.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{وَأَمْطَرْنَا}: الواو عاطفة، فعل ماض مبني على السكون، و"نا" فاعل.
{عَلَيْهِم}: متعلق بـ {أَمْطَرْنَا}.
{مَّطَرًا}: مفعول به منصوب (أو مفعول مطلق مبين للنوع منصوب بالفتحة).
{فَسَاءَ}: الفاء عاطفة لترتيب الذم، {سَاءَ} فعل ماض جامد لإنشاء الذم مبني على الفتح.
{مَطَرُ}: فاعل ساء مرفوع بالضمة الظاهرة، وهو مضاف.
{الْمُنذَرِينَ}: مضاف إليه مخفوض بالياء لأنه جمع مذكر سالم، والمخصوص بالذم محذوف تقديره "مطرهم"، وجملة الذم معطوفة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ختام المشاهد النبوية الثلاثة ومسك النذارة:
جاء ختام قصة لوط بهذا المشهد الرهيب: {فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ}.
ليتناسب تمام التناسب مع ما سبقه في قصة موسى مع فرعون: {فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ}، وفي قصة صالح مع ثمود: {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا}.
فاكتملت صورة الردع والإنذار بالسنن الكونية، ليمهد النظم في الآية التالية (59) للتحول إلى محراب التوحيد والحمد والتأمل في آلاء السماوات والأرض: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَىٰ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تناسب العقوبة مع جنس الجريمة (العدالة الإلهية في الاستئصال):
لأن جريمتهم كانت "قلباً للفطرة وانتكاساً للطبائع الإنسانية"؛ فجعلوا الأسفل أعلى والمنكر معروفاً؛ فعاقبهم الله من جنس فعلهم؛ فقلب مدائنهم وجعل عاليها سافلها، وأمطر عليهم حجارة من السماء لتدفن قاذوراتهم تحت أطباق الأرض؛ فكان الجزاء وفاقاً، وسنة الله في معاقبة الشواذ قائمة إلى قيام الساعة.