أخرج الطبري (19/460)مصدر غير محدد١٩/٤٦٠ عن قتادة والزهري في قوله تعالى: {اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ}: "هذا تقرير التوحيد الخالص، وإعلان أن الألوهية لا تنبغي إلا لله الواحد الأحد، وأنه رب العرش العظيم المجيد الذي يفوق كل عرش وسلطان".
وأخرج أبو داود في سننه (رقم 1414)مصدر غير محددحديث رقم ١٤١٤ وابن ماجه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن هذه الآية من مواضع سجود التلاوة في القرآن الكريم، وسجد فيها رسول الله ﷺ وأصحابه والمسلمون تعظيماً لله وإفراداً له بالألوهية.
وقال ابن كثير (6/183)مصدر غير محدد٦/١٨٣: "هذه خاتمة تقرير الهدهد وتتويج مقالته بإعلان التوحيد ونفي الشريك، ومقابلة عرش بلقيس الذي وصفه في الآية (23) بأنه {عَرْشٌ عَظِيمٌ} بعرش الله الحقيقي {رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ}، ليعلم أن عرش بلقيس حقير لا شأن له إذا قيس بعرش الرحمن الذي وسع السماوات والأرض".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{اللَّهُ}: الاسم العلم الجامع لمعاني الألوهية والربوبية والأسماء الحسنى كلها.
{لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ}: كلمة التوحيد الخالدة المتضمنة للنفي العام لكل معبود بحق، وإثبات الألوهية الحقة لله وحده.
{رَبُّ}: الخالق المالك المدبر المنعم.
{الْعَرْشِ}: أعظم المخلوقات وأعلاها وأوسعها، وهو سرير الملك الإلهي المجيد المستوي عليه ربنا الرحمن على الوجه اللائق بجلاله.
{الْعَظِيمِ}: صفة للعرش تعظيماً لخلقه واتساعه (أو صفة للرب سبحانه في قراءة من خفض العرش ورفع العظيم).
الإعراب والتوجيه النحوي:
{اللَّهُ}: لفظ الجلالة مبتدأ أول مرفوع بالضمة الظاهرة.
{لَا}: نافية للجنس تعمل عمل إن.
{إِلَٰهَ}: اسم لا مبني على الفتح في محل نصب، وخبرها محذوف تقديره "حق" أو "موجود بحق".
{إِلَّا}: أداة استثناء وحصر.
{هُوَ}: ضمير منفصل بدل من الضمير المستكن في خبر لا المحذوف في محل رفع (أو بدل من محل لا واسمها). وجملة التوحيد في محل رفع خبر المبتدأ "الله".
{رَبُّ}: خبر ثانٍ للفظ الجلالة مرفوع بالضمة الظاهرة (أو بدل)، وهو مضاف.
{الْعَرْشِ}: مضاف إليه مخفوض وعلامة خفضه الكسرة الظاهرة.
{الْعَظِيمِ}: نعت لـ {الْعَرْشِ} مخفوض بالكسرة الظاهرة (وقرئ شاذاً بالرفع نعتاً لـ "رب").
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة التوحيدية الكبرى بين عرش المخلوق وعرش الخالق:
في الآية (23) قال الهدهد عن ملكة سبأ: {وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ}.
وهذا النظم البديع يسلب الانبهار بمظاهر القوة البشرية والملوك الفانين؛ ليربط القلوب مباشرة بملك الملوك وجلال عرش الرحمن الذي تسبح الملائكة بحمده وتخر الجباه له سجداً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
عقيدة الاستواء وعظمة العرش الإلهي:
مذهب السلف وأهل السنة والجماعة: الإيمان بالعرش حقيقة وأنه أعظم المخلوقات وأوسعها؛ وأن الله مستوٍ عليه استواءً يليق بجلاله بلا تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه ولا تعطيل، كما قال تعالى: {الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ}.
محاكمة فكرية: إذا كان هذا المخلوق (العرش) على هذا النحو من العظمة والاتساع الذي يضيق عنه خيال البشر، فكيف بعظمة خالقه وموجده سبحانه؟! فلا شك أنه لا إله إلا هو ولا معبود بحق سواه.
صُدّرت الجملة بلفظ الجلالة ثم جاء القصر والنفي والإثبات {لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ}؛ وهو أعلى درجات التوحيد وأبلغها بياناً.
مشروعية سجود التلاوة هنا: استجابة فورية للأمر الضمني ومباينة للمشركين الذين سجدوا للشمس؛ فإذا كان أهل الضلال يسجدون لكوكب مخلوق، فإن أهل التوحيد يخرون سجداً لرب العرش العظيم.
تدبر ختام النبأ: الهدهد ختم تقريره بأعظم قضية في الوجود؛ مما يعلمنا أن كل علم وأخبار وحضارة يجب أن تنتهي إلى ترسيخ التوحيد وتعظيم الرب جل جلاله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحرير القلوب من الهيبة لغير الله:
استحضار عظمة عرش الرحمن يملأ القلب شجاعة واستعلاءً على كل قوى الأرض وعروش الظالمين؛ فكل عرش في الأرض حقير زائل أمام عرش الله الباقي.
الحرص على سجدة التلاوة في هذا الموضع خضوعاً وتلبية وشهادة بالتوحيد الخالص.