أخرج الطبري (19/461)مصدر غير محدد١٩/٤٦١ عن قتادة ومجاهد والزهري في قوله تعالى: {اذْهَب بِّكِتَابِي هَٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ}: "كتب سليمان كتاباً موجزاً حكيماً، وطبعه بالمسك وختمه بخاتمه، وأعطاه للهدهد، فطار به حتى أتى قصر بلقيس بمأرب، فدخل من كوة أو نافذة فألقى الكتاب في حجرها وهي نائمة أو على سرير ملكها، {ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ}: أي تنح جانباً في مكان قريب مستور لتسمع ردهم وتشاهد تصرفهم، {فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ}: أي ماذا يرد بعضهم على بعض وماذا يقررون في جواب الكتاب".
وروى ابن أبي حاتم (8/2783)مصدر غير محدد٨/٢٧٨٣ عن وهب بن منبه: "وقف الهدهد في موضع يراهم ولا يرونه، فقرأت الكتاب وجمعت أشراف قومها للشورى".
وقال ابن كثير (6/184)مصدر غير محدد٦/١٨٤: "هذا هو الاختبار العملي للهدهد؛ أمره بحمل الكتاب وإلقائه، ثم التواري في موضع قريب للاستطلاع ورصد ردود الأفعال السياسية والشعبية، ليعود بالخبر اليقين".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{كِتَابِي}: الرسالة والوثيقة الرسمية الصادرة من الملك النبي.
{فَأَلْقِهْ}: الإلقاء هو الطرح والرمي بلطف وعناية في موضع يصل إلى أيديهم.
{يَرْجِعُونَ}: يرجعون القول والجواب؛ أي ماذا يردون وماذا يكون جواب كتابهم وموقفهم السياسي.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{اذْهَب}: فعل أمر مبني على السكون، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت.
{بِّكِتَابِي}: الباء للمصاحبة والتعدية، كتابي اسم مجرور بكسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، والياء مضاف إليه، والجار والمجرور متعلق بـ {اذْهَب}.
{هَٰذَا}: ها للتنبيه، "ذا" اسم إشارة مبني في محل جر نعت لـ "كتابي".
{فَأَلْقِهْ}: الفاء عاطفة تفريعية، {أَلْقِ} فعل أمر مبني على حذف حرف العلة (الياء)، والفاعل مستتر تقديره أنت، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، وقرأ عاصم وحمزة: {فَأَلْقِهْ} بإسكان الهاء، وقرأ قالون وهشام باختلاس كسرتها، وقرأ ورش وابن كثير والكسائي وأبو عمرو بكسر الهاء وإشباعها.
{إِلَيْهِمْ}: جار ومجرور متعلق بـ {أَلْقِهْ}.
{ثُمَّ}: حرف عطف يفيد التراخي النسبي واستقرار الموقف.
{تَوَلَّ}: فعل أمر مبني على حذف حرف العلة (الألف)، والفاعل مستتر تقديره أنت.
{عَنْهُمْ}: متعلق بـ {تَوَلَّ}.
{فَانظُرْ}: الفاء عاطفة، فعل أمر والفاعل مستتر تقديره أنت.
{مَاذَا}: "ما" اسم استفهام مبتدأ، و"ذا" اسم موصول خبره (أو ماذا كلها اسم استفهام في محل نصب مفعول به مقدم لـ يرجعون).
{يَرْجِعُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والجملة صلة الموصول (أو مقول القول)، والجملة الاستفهامية في محل نصب مفعول به لـ "انظر".
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وهذا يمثل أعلى درجات الدبلوماسية النبوية والحكمة القيادية في مخاطبة الممالك الأجنبية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
أدب التعامل الدبلوماسي مع الملوك والدول:
محاكمة سياسية شرعية:
لم يبادر سليمان بجيوشه لغزو سبأ واستباحة أرضهم فور سماعه بنبأ كفرهم، بل بدأ بالدعوة بالحكمة والبيان، وأرسل إليهم كتاباً رسمياً يدعوهم فيه إلى التوحيد والاستسلام لله؛ تطبيقاً لقاعدة إقامة الحجة والإعذار قبل القتال.
وفي قوله: {ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ} غاية الأدب والمهابة؛ ليدع لهم حرية قراءة الكتاب والتشاور دون ضغط مباشر يفسد عليهم التفكير الحر.
استُعمل {ثُمَّ} للدلالة على المهلة الكافية والتنحي الهادئ المتريث؛ لئلا يرتابوا من الطائر أو يتوجسوا خيفة، بل يلقي الكتاب بهدوء ثم يتنحى إلى مكان أمين يرقب منه ما يجري.
تدبر حسن التدبير: المهمة لم تكن مجرد إيصال ورقة، بل متابعة الأثر ورصد ردود الفعل لتقييم الخطوة التالية بحكمة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
إتقان التكليف وتحديد المهام بدقة:
على القائد والمربي حين يكلف أحداً بمهمة أن يحدد له أبعادها وخطواتها بوضوح تام؛ ليعرف متى يبدأ وأين ينتهي وما هو المطلوب منه بالضبط.
الجمع بين البلاغ وحسن المراقبة: الداعية لا يلقي كلمته ويمضي غافلاً، بل يتفقد أثر كلمته في نفوس المدعوين ليعالج الشبهات ويستثمر لحظات الإقبال.